في مرمى الإشاعات..عندما تتحول الأخبار الزائفة إلى مصدر للقــلق

الوكالة

2026-08-07

محمد نشــوان

في زمن أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي المصدر الأول للأخبار لدى ملايين الأشخاص، لم تعد الشائعة مجرد خبر عابر، بل تحولت إلى أداة تأثير خطيرة قادرة على توجيه الرأي العام وصناعة الوقائع الوهمية. ويبرز ملف سبتة المحتلة بوصفه أحد أكثر الملفات عرضة لهذا النوع من الحروب الرقمية التي تُدار بالشائعات بدل الحقائق.

خلال جولة سريعة بين صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، يتكرر المشهد نفسه: أشخاص يقدّمون أنفسهم باعتبارهم خبراء في السياسة والتاريخ والجغرافيا والأمن والعلاقات الدولية، يتحدثون بثقة مطلقة، ويطلقون تحليلات وأخبارًا لا تستند إلى أي مصدر موثوق، بل يحيطون أنفسهم بألقاب أكاديمية ومهنية لا دليل عليها، ويزعم بعضهم امتلاك علاقات مع دوائر القرار وأجهزة الاستخبارات العالمية.

هذه الظاهرة لم تعد مجرد استعراض فردي، بل أصبحت جزءًا من منظومة متكاملة تقوم على صناعة الإثارة وجذب المشاهدات، حيث تتحول الأخبار الزائفة إلى سلعة مربحة، ويتحول المؤثر إلى تاجر للوهم، يقتات على القضايا الوطنية الحساسة.

وقد كشفت الأحداث الأخيرة المرتبطة بمدينة سبتة، سواء ما تعلق بمحاولات الهجرة غير النظامية أو التوترات الدبلوماسية العابرة بين المغرب وإسبانيا، حجم هذا الانفلات المعلوماتي. فمع كل تطور يخص المدينة، تمتلئ منصات التواصل بسيل من الادعاءات، من قبيل نشر صور مفبركة لجنود إسبان على الحدود، أو الترويج لأخبار عن طرد وسائل إعلام، أو الحديث عن تعبئة عسكرية وشيكة، دون أن تجد هذه المزاعم أي سند في المصادر الرسمية أو في المؤسسات الإعلامية المهنية.

ورغم غياب الأدلة، فإن هذه الأخبار تجد طريقها بسرعة إلى هواتف الآلاف، بل الملايين، لأنها تخاطب المشاعر الوطنية أكثر مما تخاطب العقل، وتستثمر في حساسية ملف يرتبط بالسيادة والذاكرة الجماعية للمغاربة.

ويعود انتشار الشائعات حول سبتة إلى عدة عوامل متداخلة. أولها الفراغ المعلوماتي الذي يفرضه الطابع الدبلوماسي الحساس للملف، إذ إن محدودية المعطيات الرسمية تفتح المجال واسعًا أمام التأويلات والتكهنات. وثانيها البعد العاطفي للقضية، فكل خبر يتعلق بسبتة يثير اهتمامًا واسعًا، وهو ما يدركه صناع المحتوى الذين يوظفون الحس الوطني لتحقيق الانتشار والأرباح.

أما العامل الثالث، فيكمن في تراجع دور بعض المنابر الإعلامية في التحقق من الأخبار، حيث أصبحت تنقل ما يتداوله المؤثرون دون تدقيق، خشية فقدان السبق الصحفي. ويضاف إلى ذلك عامل رابع لا يقل أهمية، يتمثل في خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي التي تمنح الأفضلية للمحتوى المثير، حتى وإن كان مضللًا، على حساب الأخبار الدقيقة والمتوازنة.

إن الخطر الحقيقي لا يكمن في تصديق خبر زائف حول حدث معين، بل في اعتياد المجتمع على استهلاك الأخبار دون تمحيص، حتى يصبح الكذب جزءًا من المشهد اليومي. وعندما تفقد الحقيقة مكانتها، يصبح من السهل التلاعب بالرأي العام، وإثارة التوتر، وصناعة أزمات لا وجود لها إلا على شاشات الهواتف.

إن حرب الإشاعات التي تستهدف ملف سبتة لا تخدم المصالح الوطنية، ولا تدعم عدالة الموقف المغربي، بل تمنح الفرصة لتجار المحتوى الباحثين عن الأرباح، كما توفر بيئة خصبة للأطراف التي تستفيد من نشر الارتباك والتشويش وإضعاف الثقة في المعلومة.

وأمام هذا الواقع، تبدو الحاجة ملحة إلى إعلام مهني يلتزم بالتحري والدقة، وإلى مؤسسات أكثر حضورًا في التواصل مع الرأي العام، وإلى مواطن يمتلك ثقافة التحقق قبل المشاركة والنشر. ففي القضايا المرتبطة بالسيادة الوطنية، لا مكان للإثارة المجانية، ولا قيمة للمعلومة إذا لم تكن موثقة.

لقد أصبحت الأخبار الزائفة اليوم سلاحًا حقيقيًا في حروب العصر، ومواجهتها لم تعد مسؤولية الصحفي وحده، بل مسؤولية مجتمع بأكمله يؤمن بأن الحقيقة هي خط الدفاع الأول عن الوطن.

تصنيفات