









جميلة السيوري تحذر من إصدار الأحكام الجنائية في غياب الدفاع وتدعو إلى حماية ضمانات المحاكمة العادلة
الوكالة
2026-07-29

أثارت جميلة السيوري، المحامية والباحثة في القانون، إشكالية إصدار الأحكام الجنائية في غياب هيئة الدفاع، معتبرة أن هذا الموضوع يتجاوز حدود الخلاف المهني بين مكونات منظومة العدالة، ليطرح تساؤلات عميقة حول مدى احترام ضمانات المحاكمة العادلة في ظل الأزمات التي قد تؤثر على السير العادي للمرفق القضائي.
وقالت السيوري، في مقال تحليلي، إن النقاش الدائر لا ينبغي أن ينحصر في مسألة استمرارية عمل المحاكم أو تداعيات توقف المحامين عن مزاولة مهامهم، بل يجب أن ينطلق من مبدأ أساسي مفاده أن كل ملف جنائي يرتبط بمصير إنسان، وأن كل حكم قضائي قد يترتب عنه المساس بحرية الأفراد وحقوقهم، وهو ما يجعل احترام حقوق الدفاع جزءا لا يتجزأ من تحقيق العدالة.
وأوضحت أن استمرارية مرفق العدالة تظل مبدأ دستوريا لا خلاف بشأنه، بالنظر إلى ما يترتب عن تعطيل المحاكمات من انعكاسات على حقوق المتقاضين وعلى حسن سير القضاء، غير أنها شددت على أن هذا المبدأ لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للانتقاص من إحدى أهم ضمانات المحاكمة العادلة، والمتمثلة في الحق في الدفاع.
وأضافت أن حق الدفاع ليس امتيازا مهنيا ممنوحا للمحامي، وإنما حق أصيل للمتقاضي وضمانة دستورية في مواجهة سلطة الاتهام، مبرزة أن المحامي لا يقتصر دوره على إلقاء المرافعات داخل الجلسات، بل يساهم في تحقيق التوازن بين أطراف الدعوى الجنائية، من خلال مناقشة وسائل الإثبات، وإبداء الدفوع القانونية، وتمكين المتهم من ممارسة حقوقه كاملة في إطار محاكمة تتوفر فيها شروط النزاهة والإنصاف.
وسجلت السيوري أن الحديث عن حضور الدفاع لا ينبغي أن يختزل في وجود شكلي لمحام داخل قاعة المحكمة، بل في توفر دفاع فعلي وفعال يتيح للمتقاضي فهم الإجراءات، ومناقشة الحجج، ومواجهة وسائل الإثبات، وتقديم أوجه دفاعه بحرية واستقلالية، معتبرة أن أي انتقاص من هذا الدور يمس جوهر المحاكمة العادلة.
وربطت الباحثة هذا النقاش بالتحول الدستوري الذي عرفه المغرب منذ اعتماد دستور 2011، والذي كرس الحق في المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع ضمن منظومة الحقوق والحريات الأساسية، مشيرة إلى أن الفصل 120 من الدستور ينص على حق كل شخص في محاكمة عادلة وفي صدور حكم داخل أجل معقول، فيما يؤكد الفصل 118 حق الجميع في التقاضي، معتبرة أن هذه المقتضيات تعكس فلسفة دستورية تجعل من احترام الإجراءات والضمانات شرطا أساسيا لاكتساب الأحكام القضائية مشروعيتها وثقة المجتمع فيها.
وأكدت أن النقاش المطروح اليوم ينبغي أن يظل في إطاره المؤسساتي، بعيدا عن أي مواجهة بين القضاء والمحاماة، لأن الهدف، بحسب تعبيرها، هو البحث عن السبل الكفيلة بالحفاظ على التوازن الذي أقره الدستور بين استقلال السلطة القضائية، وحقوق المتقاضين، والدور المحوري الذي تضطلع به مهنة المحاماة داخل منظومة العدالة.
واستحضرت السيوري عددا من التجارب المقارنة، مشيرة إلى أن فرنسا شهدت في أكثر من مناسبة احتجاجات وإضرابات للمحامين على خلفية إصلاحات مهنية، غير أن السلطات القضائية عملت على البحث عن صيغ تضمن استمرار عمل المحاكم دون الإخلال بحقوق الدفاع، كما أبرزت أن الاجتهادات الدستورية في إسبانيا كرست مبدأ الدفاع الفعلي، وليس مجرد الحضور الشكلي للمحامي.
كما أحالت على اجتهاد المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، خاصة في قضية Salduz ضد تركيا الصادر سنة 2008، الذي اعتبر أن الاستعانة بمحام تشكل عنصرا أساسيا من عناصر المحاكمة العادلة، وأن المساعدة القانونية ينبغي أن تكون عملية وفعالة، بما يضمن حماية الحقوق الأساسية للمتقاضين.
وحذرت السيوري من أن الإشكال لا يقتصر على الجوانب القانونية، بل يمتد إلى البعد المؤسساتي والرمزي، إذ إن استمرار إصدار أحكام جنائية في غياب الدفاع قد يكرس لدى الرأي العام تصورا مفاده أن وجود المحامي داخل المحاكمة ليس سوى إجراء يمكن تجاوزه عند الأزمات، وهو ما اعتبرته رسالة تمس مكانة المحاماة باعتبارها إحدى الضمانات الأساسية للعدالة، وقد تؤثر على مستوى الثقة في المؤسسة القضائية.
وأضافت أن هيبة القضاء لا ترتبط فقط بسلطة إصدار الأحكام، وإنما كذلك بمدى احترام الإجراءات والضمانات التي تسبق صدورها، مؤكدة أن إضعاف صورة الدفاع لا يخدم القضاء، بل ينعكس سلبا على صورة العدالة باعتبارها منظومة تقوم على التوازن بين مختلف الفاعلين.
ودعت الباحثة إلى اعتماد حلول مؤسساتية قائمة على الحوار بين مختلف مكونات منظومة العدالة، بما يضمن استمرارية المرفق القضائي دون المساس بجوهر حقوق الدفاع، مع مراعاة خصوصية القضايا الجنائية وما يرتبط بها من حقوق وحريات أساسية.
واعتبرت أن صدور أحكام في بعض الملفات الجنائية، من بينها ملفات نظرتها المحكمة بمدينة العيون، يفرض فتح نقاش قانوني ومؤسساتي هادئ حول حدود اللجوء إلى الإجراءات الاستثنائية، محذرة من أن يتحول الاستثناء إلى قاعدة، لأن الحقوق، بحسب تعبيرها، قد تتآكل تدريجيا من خلال ممارسات ظرفية تصبح مع مرور الوقت أمرا مألوفا.
وخلصت جميلة السيوري إلى أن الرهان الحقيقي لا يتمثل في المفاضلة بين استمرارية العدالة وحقوق الدفاع، وإنما في إيجاد التوازن بينهما، مؤكدة أن العدالة تستمد مشروعيتها من احترام الضمانات الدستورية التي تؤطرها، وأن قوة الأحكام القضائية لا تقاس فقط بعدد الملفات التي يتم البت فيها، بل أيضا بمدى احترام حقوق الدفاع وترسيخ الثقة في القضاء.




