









زاكورة: واحة ترناتة تحترق… فهل يوقظ الدخان ضمير المسؤولين والمنتخبين؟
الوكالة
2026-07-26

محمد البشيري
لم يعد الدخان المتصاعد من واحات زاكورة مجرد أثر لحريق عابر، بل تحول إلى عنوان لفشل يتكرر كل صيف، ورسالة قاسية تضع المسؤولين والمنتخبين أمام سؤال لا يمكن الهروب منه: ماذا قدمتم لهذا الإقليم؟ فحين تحترق الواحات، لا تحترق أشجار النخيل فقط، بل يحترق معها جزء من ذاكرة زاكورة، ومن اقتصادها، ومن مستقبل أجيالها.
عاشت واحة ترناتة بإقليم زاكورة، ليلة السبت، على وقع حريق مهول اندلع وسط حقول أسرير المشان والمهدية، مخلفا خسائر مادية مهمة، في مشهد أعاد إلى الواجهة هشاشة الواحات أمام خطر الحرائق، وطرح من جديد أسئلة ملحة حول واقع الإهمال الذي يهدد واحدة من أهم الثروات البيئية والفلاحية بالإقليم.
وساعدت الأجواء الجافة، إلى جانب الانتشار الكثيف لمخلفات النخيل والأعشاب اليابسة، على اتساع رقعة النيران بسرعة كبيرة، فيما غطت سحب الدخان سماء المنطقة، وأثارت حالة من الهلع والقلق في صفوف الساكنة التي وجدت نفسها في مواجهة ألسنة اللهب بإمكانات بسيطة، قبل وصول عناصر الوقاية المدنية التي واصلت جهودها لإخماد الحريق وحماية المساكن والضيعات الفلاحية.
وليس هذا الحريق الأول الذي يضرب واحات زاكورة، وربما لن يكون الأخير إذا استمر التعامل مع هذا الملف بالمنطق نفسه. فكل صيف يحمل معه المشهد ذاته؛ حرائق، خسائر، وعود بالتحقيق، ثم صمت طويل، وكأن ما يحدث أصبح قدرا محتوما لا مسؤولية لأحد عنه.
لقد تحولت الواحات، التي يفترض أن تكون في صلب السياسات العمومية بالإقليم، إلى ضحية سنوات من التأخر في الوقاية والتأهيل والعناية. فلا برامج مستدامة لحماية المجال الواحي، ولا تدخلات كافية للحد من مخاطر الحرائق، بينما يواصل هذا الإرث الطبيعي فقدان جزء من مكوناته عاما بعد آخر.
وفي الجهة المقابلة، يشتد الحراك السياسي كلما اقتربت الانتخابات. تعود الوجوه نفسها، وتعود معها الوعود نفسها، والخطب نفسها، والصور نفسها، بينما ينتظر المواطن حصيلة حقيقية يجدها على أرض الواقع. لقد تعاقب على تمثيل زاكورة منتخبون وبرلمانيون من أحزاب مختلفة، لكن المواطن من حقه اليوم أن يسأل: أين هي المشاريع الكبرى؟ وأين هي البرامج التي كان يفترض أن تحمي الواحات وتدعم التنمية وتوفر فرص العيش الكريم؟
لقد آن الأوان لأن يدرك الناخب الزاكوري أن صوته ليس مجرد ورقة انتخابية، بل أداة للمحاسبة. فلا ينبغي أن تمنح الثقة مرة أخرى لأي مسؤول أو منتخب أو برلماني دون أن يقدم كشفا واضحا بحصيلته وإنجازاته. فالمعيار الحقيقي ليس قوة الخطاب، ولا كثرة الوعود، ولا الانتماء الحزبي، بل ما تحقق فعلا لفائدة الإقليم وساكنته.
إن زاكورة لا تحتاج إلى حملات انتخابية صاخبة، بقدر ما تحتاج إلى إرادة صادقة، ومشاريع حقيقية، ومسؤولين يعتبرون خدمة المواطنين التزاما لا مناسبة موسمية. فالمدن لا تنهض بالشعارات، ولا تحمى الواحات بالخطابات، ولا تبنى الثقة بالوعود التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ.
وفي انتظار أن تكشف الجهات المختصة عن أسباب هذا الحريق وحجم خسائره، يبقى السؤال معلقا في سماء ترناتة مع سحب الدخان: هل سيتحول هذا الحريق إلى جرس إنذار يدفع نحو حماية الواحات وإنقاذ ما تبقى منها، أم أن النيران ستنطفئ مرة أخرى، بينما تبقى أسبابها قائمة، وتظل زاكورة تدفع ثمن سنوات من التأخر في الإنجاز وضعف المحاسبة؟




