من ضفة اليأس إلى حلم النجاة حين يتحول البحر إلى طريق نحو المجهول

الوكالة

2026-07-29

محمد نشوان

في مشهد يختزل حجم الإحباط الذي يعيشه عدد من الشباب المغاربة، تداولت منصات التواصل الاجتماعي صورًا ومقاطع فيديو تُظهر شابات وشبانًا تمكنوا من الوصول سباحة إلى مدينة سبتة المحتلة، بعد قطع مسافة تُقدَّر بنحو ستة كيلومترات وسط البحر. وما إن وطئت أقدامهم اليابسة حتى ارتسمت على وجوههم ابتسامات عريضة، وبدت ملامح الفرح وكأنها إعلان عن ولادة جديدة، بعد رحلة محفوفة بالمخاطر كان يمكن أن تنتهي بمأساة.

هذه المشاهد لا يمكن اختزالها في مجرد محاولة للهجرة غير النظامية، بل تعكس واقعًا اجتماعيًا واقتصاديًا معقدًا يدفع بعض الشباب إلى المجازفة بحياتهم بحثًا عن أفق جديد. فحين يصبح البحر، بكل مخاطره، أقل رهبة من الإحساس بانسداد المستقبل، تتحول المغامرة إلى خيار يراه البعض السبيل الوحيد للخلاص.

ويستحضر كثيرون، على نحو رمزي، ملحمة طارق بن زياد الذي عبر المضيق قبل أكثر من ثلاثة عشر قرنًا نحو الأندلس، غير أن دوافع العبور اليوم تختلف جذريًا. فذلك العبور كان يحمل مشروع فتح وتوسع، أما عبور اليوم فيحمل حلمًا فرديًا بالعيش الكريم، والهروب من واقع يعتبره أصحابه قاسيًا ومليئًا بالتحديات.

لقد أصبحت صور الشباب وهم يلوحون بأيديهم فرحين بعد الوصول، أو يجهشون بالبكاء من شدة التأثر، عنوانًا لقصة إنسانية مؤلمة، تطرح أسئلة عميقة حول أسباب تنامي الرغبة في الهجرة، وحول مسؤولية مختلف الفاعلين في توفير بيئة تمنح الشباب الأمل في المستقبل داخل وطنهم.

ومهما اختلفت الآراء بشأن الهجرة غير النظامية، فإن الثابت هو أن البحر لا يرحم، وأن كل محاولة عبور تحمل في طياتها احتمال النجاة كما تحمل احتمال الفقدان. لذلك يبقى الرهان الحقيقي هو بناء سياسات تنموية تفتح أمام الشباب آفاق الشغل والتكوين والاندماج، حتى لا يصبح ركوب أمواج البحر الخيار الوحيد في نظر من ضاقت بهم السبل.

وفي النهاية، تبقى هذه المشاهد رسالة قوية مفادها أن الهجرة ليست مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل هي في كثير من الأحيان صرخة صامتة يطلقها شباب يبحث عن الكرامة والأمل، ويؤمن بأن المستقبل يستحق المجازفة، حتى وإن كان الطريق إليه يمر عبر أمواج البحر.

تصنيفات