









حين يتحول التاريخ إلى خصم للكابرانات وكراكيزهم
الوكالة
2025-05-09

باحدة عبد الرزاق / سكرتير التحرير
في الجزائر، لا يبدو أن مسألة الذاكرة التاريخية مجرد اهتمام مشروع بالماضي، بل تحولت إلى هوس جماعي يصعب فصله عن صناعة خطاب سياسي يقوم على الألم بدل الأمل. يوم 8 ماي، الذي خصص كعيد وطني للذاكرة، لا يمر دون طقوس بكائية جماعية، يتم فيها استحضار مآسي الاستعمار الفرنسي، وعلى رأسها مجازر 1945 التي أزهقت فيها أرواح الآلاف من الأبرياء. وتستخدم المناسبة، عاما بعد عام، كورقة ضغط أخلاقية وسياسية للمطالبة باعتراف فرنسي رسمي لم يحدث إلى الآن.
آخر مظاهر هذا التوظيف السياسي للتاريخ جاء على لسان وزير الداخلية والجماعات المحلية إبراهيم مراد، حين صرح بأن “فرنسا ستعترف حتمًا بجرائمها في الجزائر”، مستندا إلى إجماع مؤرخين من البلدين. لكن مجرد الاتفاق الأكاديمي لا يعد ضمانا سياسيا، ولا يؤسس لاعتراف رسمي في ميزان العلاقات الدولية.
الثامن من ماي يظل في الذاكرة الجزائرية تاريخا داميا، ولا يمكن التنكر لما جرى فيه، غير أن هذه الذكرى الثمانين تمر مرة أخرى دون أن تتسع الذاكرة الرسمية الجزائرية لصفحات أخرى من ذلك التاريخ، خصوصًا حين يتعلق الأمر بمواقف الأشقاء، وعلى رأسهم المغاربة.
إنه لأمر محير أن تصر وزارة المجاهدين، التي ترعى كل سنة الفعاليات المخلدة لهذا اليوم، على تجاهل مساهمة المغرب الفعلية والموثقة في دعم الثورة الجزائرية. لم يكن الدعم المغربي رمزيا أو مشروطا، بل كان صادقا ومتعدد الأشكال: من المال إلى السلاح، ومن الذهب إلى الثياب، بل حتى جلود الأغنام وصوفها.
رغم الظروف الصعبة التي عاشها المغاربة خلال خمسينيات وبداية ستينيات القرن الماضي، لم يترددوا في اقتسام قوتهم مع جيرانهم، ولم يساوموا على ترسيم الحدود بينما الجزائر تحت نير المستعمر. والموقف الخالد للسلطان محمد الخامس في الأمم المتحدة، حين فضّل الدفاع عن استقلال الجزائر بدل الخوض في قضايا بلده، يظل درسًا في الإيثار قل نظيره.
ومع ذلك، تستمر الذاكرة الرسمية الجزائرية في حذف هذا الفصل النبيل من سجل التاريخ، وكأن الجميل جريمة، والمروءة تهمة. إنها ذاكرة انتقائية، لا تخجل من البكاء على الأطلال، لكنها تخجل من شكر من حمل الطوب في البناء.




