









حين تتحول لوموند إلى جريدة صفراء وإنه لقسم لو تعلمون عظيم
الوكالة
2025-08-28

بقلم : أحمـد اشـرف مجـدول
لم يكن ما نشرته جريدة لوموند الفرنسية في عددها الأخير تحت عنوان «أجواء نهاية عهد محمد السادس» تحقيقا استقصائيا يحترم الضوابط المهنية، بل كان سردية هشة تستند على الشبهات والتأويلات والأماني “المريضة”، بعيدا عن المعلومات والمعطيات… وكان أقرب إلى مقالات التشهير التي تنشرها صحافة الابتذال الساعية إلى الإثارة الرخيصة، أكثر من سعيها إلى تنوير الرأي العام.
أولا، لقد ركز “مقال لوموند” على الوضع الصحي لجلالة الملك، بلغة توحي بأننا أمام معلومة حساسة تنكشف لأول مرة، في الوقت الذي كان فيه المغاربة منذ سنوات على اطلاع مُطّرد بالوضعية الصحية لجلالته من خلال بلاغات القصر الرسمية الواضحة، ومن خلال متابعتهم للأنشطة الملكية. لكن التركيز على وضع جلالته الصحي كان الهدف منه هو خلق حالة من القلق والشك في نفوس المواطنين المغاربة، بما يشبه المحاولات البائسة للنظام العسكري الذي حشرنا الله معه في الجوار.
ولكن هيهات هيهات، فالمغاربة اكتسبوا بحكم التجارب المناعة الكافية التي تجعل ثقتهم في مؤسستهم الملكية أقوى من أن يزعزعها مقال.
ثانيا، بدا “مقال لوموند” كما لو أنه يقوم بقراءة في مرحلة حكم محمد السادس، ولكن اتضح أنها قراءة مبتورة جدا تضرب مصداقية الصحيفة في العمق. إذ كيف لصحيفة تدعي المهنية أن تتجاهل حصيلة 26 عامًا من حكم محمد السادس؟ دستور 2011، إصلاح مدونة الأسرة، إطلاق هيئة الإنصاف والمصالحة، المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، موانئ طنجة المتوسط والناظور والداخلة، القطار الفائق السرعة، مركب نور للطاقة الشمسية، استراتيجية الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، مشاريع البنية التحتية التي ربطت شمال المغرب بجنوبه وشرقه بغربه… ألا تستحق هذه الإنجازات الاستثنائية أن تكون عنواين لمرحلة غيرت وجه المغرب؟
أليس محمد السادس هو الذي رسخ المغرب موقعه كفاعل استراتيجي في إفريقيا والمتوسط، بعدما عاد إلى الاتحاد الإفريقي من موقع قوة، وحصل على اعترافات متزايدة بسيادته على الصحراء، وأضحى شريكا موثوقا لأوروبا والولايات المتحدة في قضايا الأمن والطاقة والهجرة؟
هذه الحقيقة تجاهلتها لوموند لأنها تزعج جيرانه وحلفاء الأمس، ولأنها تؤكد فشل كل القوى المعادية التي كانت تراهن على انهيار المغرب، أو على الأقل، تراهن على إبطاء سرعته.
ولكن، هيهات هيهات… المغرب بعراقته الممتدة في التاريخ كنظام وكأمة أقوى من أن توقف مسيرته تشويشات الأعداء والخصوم.
ثالثا، إن الحديث عن ولاية العهد بنبرة تستهدف التشويه يوحي بأن الصحيفة تجهل أبسط قواعد النظام المغربي، حيث انتقال العرش ليس لغزا ولا معضلة. وكأنها لا تعلم بأن الدستور والأعراف الملكية العريقة يستدعيان تأهيل ولي العهد الأمير مولاي الحسن منذ صغره لتحمل المسؤولية الجسيمة، والمغاربة ومعهم العالم يدركون ذلك، ويتابعون: تكوين أكاديمي راق، تدريب عسكري، مهام دبلوماسية رسمية، حضور وازن في مناسبات وطنية ودولية.
لقد انحدرت صحيفة لوموند بهذا المقال إلى درك الصحافة الصفراء الباحثة عن الإثارة، وأكاد أقول إنها انحدرت إلى قاع الحملات الصحفية مدفوعة الثمن التي تستجيب لمخططات أعداء المغرب… بعدما عاشت لوموند منذ تأسيسها ـ رغم بعض الانزلاقات ـ مثالا للرصانة والجدية.
لعل لوموند لا تريد أن ترى المغرب كما هو الآن، المغرب الذي لم يعد يقبل الوصاية من أحد. ألم تكن صفعة الحوز التي تلقتها فرنسا من المغرب عان 2023 كافية؟ ألم تحاول الإدارة الفرنسية فرض تصورها، فخاطبها المغرب: شكرا، المغرب سيد قراره. ولقد تعززت سيادته في تلاحم شعبه بملكه.
لوموند لا تريد أن ترى المغرب كما هو الآن، المغرب الواقف على أرض صلبة من الشرعية التاريخية والدستورية، المغرب الذي صارت البيعة فيه، أكثر من وثيقة اتفاق تجمع الملك برعيته، بل هي ميثاق روحي بين شعب وملك لا تستطيع المؤامرات إضعافه، ولا تقدر الإشاعات والحملات المغرضة على خدشه.
هل صحيح أن لوموند بكل خبرتها المهنية، ومعرفتها بالمغرب لا تدرك إلى أي حد يتعلق المغاربة بملكهم؟ ألا تعلم أن نشر الشائعات عن مرضه لا تجعل المغاربة يقلقون على مستقبلهم ولا على مستقبل الملكية، بل تجعلهم أكثر عزما وإصرارا على الوقوف إلى جانب رمز وحدتهم وسيادتهم، ولا يرون في هذا الولاء “خضوعا” كما يدعي جيران السوء، ولا “خوفا” كما يشيع المغرضون، بل يرون فيه تجسيدا حقيقيا لمغربيتهم، وتعبيرا عميقا عن وحدتهم وهويتهم. تلك الهوية التي لا يفهم معناها مجهولو الهوية.
وربما يعتقد الجاهلون بأن الشعار المغربي الخالد “الله، الوطن، الملك” مجرد شعار يشبه “وان، تو، تري”، ولا يعرفون بأنه ترسيخ لعقيدة يموت المرء دونها. فالمغربي عبر التاريخ يقسم على الشهادة من أجل ثلاثة: دينه ووطنه وملكه. وإنه قسم لو تعلمون عظيم.


