









زاكورة.. فضيحـة دعـم ماطيشـة و « باك صاحبي » من يحمي الفساد .؟
الوكالة
2025-10-11

محمد البشيري
في الجنوب الشرقي للمملكة وتحديدا بمدينة زاكورة، لا شيء يثير الدهشة . فحين تتحدث عن الفساد، تجد أن الحكاية لا تبدأ من الصفر ولا تنتهي عند حدود شخص أو مسؤول، بل تمتد كخيوط متشابكة تجمع بين المال والنفوذ و«باك صاحبي» الذي صار قانوناً غير مكتوب يحكم تفاصيل الحياة اليومية.
في الأسواق، تُباع الطماطم ويُساوَم على الأسعار، لكن خلف المشهد البسيط تختبئ قصة أعمق: دعم الطماطم في زاكورة لم يعد مجرد برامج دعم الفلاحين الصغار ، بل تحولت إلى مرآة تعكس واقعاً فاسداً تُسقى جذوره بالمحاباة والتواطؤ والصمت الرسمي.
تعيش جهة درعة تافيلالت، وبالأخص إقليم زاكورة، على وقع فضيحة مدوية تهز أركان القطاع الفلاحي، بعد انكشاف معطيات خطيرة عن تلاعبات مشبوهة في ملفات دعم زراعة الطماطم، الذي كان يُفترض أن يكون رافعة للنهوض بالفلاح الصغير، فإذا به يتحول إلى ريعٍ محروس تتقاسمه الأيادي النافذة وأصحاب “باك صاحبي”.
فبينما يحصل كبار المستثمرين والمقربين من دوائر القرار على دعم بالهكتارات، يُترك الفلاح البسيط يصارع أبواب المقاطعات الفلاحية من أجل هكتارٍ يتيم لا يناله إلا بعد “جرجرة” طويلة ووعود جوفاء. أما أولئك الذين يملكون عشرات الهكتارات، فتُسوى ملفاتهم في صمت، بمجرد إرسال صور عبر تطبيقات التراسل الفوري، وكأن المال العام صار “ملفاً رقمياً” يُرسل بالهاتف!
معطيات حصرية حصلت عليها وكالة الأنباء المغربية كشفت أن دعم الطماطم الموجه لعدد من جماعات إقليم زاكورة، من بينها كتاوة، تغبالت، تاكونيت، تمكروت، ترناتة وتازرين، بسبب تغاضي المسؤولين المحليين ونهج سياسية ” أش عندك “و باك صاحبي ” بحيث عرفت المنطقة خروقات وتلاعبات صادمة، بعدما تبين أن العديد من المشاريع المصرح بها لا وجود لها على أرض الواقع. لجنة تفتيش ميدانية زارت عدداً من الأراضي المفترض تخصيصها لزراعة الطماطم، فوجدت نفسها أمام حقولٍ قاحلة لا طماطم فيها ولا غرس ولا نشاط فلاحي،و لاهم يحزنون , فقط وثائق رسمية تخفي وراءها واقعاً صادما فارغاً ومليئاً بالريبة و الذهول .
مصادر عليمة ومطلعة على حيثيات الملف تحدتث لوكالة الأنباء المغربية، أفادت بأن هناك احد المستفيدين تقدم بثلاثة ملفات مختلفة: الأول باسمه على مساحة 24 هكتاراً، والثاني باسم زوجته بـ15 هكتاراً، والثالث باسم ابنه بـ15 هكتاراً، بإجمالي 54 هكتاراً من الدعم العمومي، دون أن يزرع فيها شتلة واحدة. والمفارقة أن المعني بالأمر على علاقة مباشرة بأحد المشرفين على هذه العملية بالإقليم، مما يفتح الباب واسعاً أمام شبهة تضارب المصالح والتواطؤ الإداري.
اللجنة الميدانية أوصت بتجميد هذه الملفات مؤقتاً، في انتظار التحقق الكامل من المعطيات وتحديد المسؤوليات القانونية. غير أن التساؤل الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل سيبقى الأمر حبيس المكاتب؟ أم ستتحرك النيابة العامة و لجان التحقيق و المساءلة لتصل إلى من يحرك الخيوط من وراء الستار؟
في المقابل، عبرت فعاليات مدنية وحقوقية محلية عن غضبها الشديد، مطالبةً بفتح تحقيق شامل وشفاف وترتيب الجزاءات في حال ثبوت أي تلاعب أو استغلال للنفوذ. وأكدت هذه الفعاليات أن ما يجري يسيء إلى سمعة برامج الدعم الفلاحي التي أرادتها الدولة وسيلة لتحقيق العدالة الاجتماعية وتحسين وضعية الفلاح الصغير، فإذا بها تتحول إلى أداة في يد أصحاب النفوذ و”باك صاحبي” لابتلاع الدعم العمومي.
كما وجّه عدد من فلاحي الإقليم شكايات إلى المدير الجهوي للاستثمار الفلاحي بورزازات، تحدثوا فيها عن إقصاء ممنهج وتماطل متعمد من طرف المديرية الإقليمية بزاكورة، رغم استيفائهم جميع الشروط القانونية. هؤلاء الفلاحون أكدوا أن حرمانهم من الدعم دفعهم إلى أزمات مالية خانقة بعدما عجزوا عن أداء ديونهم البنكية، محذرين من أن الوضع قد يتطور إلى متابعات قضائية ضد ضحايا “سوء التدبير”.
وفي ظل هذا المشهد القاتم، يعلو النداء إلى السيد عامل صاحب الجلالة على إقليم زاكورة للتدخل العاجل وإيفاد لجنة خاصة لتقصي الحقائق حول هذا الملف، على غرار ما تم بجماعة ترناتة. فهل سيتدخل السيد العامل لتوسيع التحقيق على باقي الجماعات؟ أم أن الأمر سيُختزل في جماعة ترناتة وحدها بسبب حسابات شخصية وسياسية غامضة فتحت باب القضاء في وجه رىيس الجماعة . لتبقى باقي الجماعات في مأمنٍ من المحاسبة والمساءلة؟
إن ما يقع اليوم في زاكورة لم يعد مجرد شبهة فساد إداري، بل هو نزيف مفتوح في جسد برنامج الدعم الفلاحي، ومساس مباشر بمصداقية الدولة وبرامجها التنموية. وإذا لم يُفتح هذا الملف على مصراعيه، فإن الثقة في المؤسسات ستتآكل، وسيبقى الفلاح الصغير ضحيةً لنظام دعمٍ لا يخدم سوى الأقوياء وأصحاب “باك صاحبي”.
فهل ستتحرك الإدارة الإقليمية قبل أن يفقد المواطن آخر ما تبقى من الأمل؟
“الكرة الآن في ملعب عامل الإقليم، فإما المحاسبة أو استمرار العبث.” .


