بعض من يوم مدرس

الوكالة

2025-11-16

بقلم الاستاذة : خدوج مجد

أشعة الشمس تلفح الوجوه، رغم حلول شهر أيلول، ربما المناخ المعتدل الذي كان المغرب يتمتع به سائر نحو الزوال، الشارع يعج بالمارة، كل صوب غرضه، حركة دائبة ومعتادة، ألفناها مع عودة فلذت الأكباد إلى أماكن طلب العلم، أودعت ابنتي ذات الست سنوات في مدرستها، تشبثت بعنقي، أوهمتها أني لم أعر اهتماما لتعلقها ذلك، رغبة في أن تتعود منذ عمومة أظافرها طعم الفراق والبعد، وأن تتشبع بقيم تحمل المسؤولية والاعتماد على النفس، أدرت المقود صوب مقر عملي، عابرة عبر الطريق السيار، تفاجأت، فقد تغيرت عما تركتها عليه في أواخر شهر تموز من هذه السنة، الجوانب مصففة، الأناقة عالية؛ تشوير أرضي يرضي السائقين، أشجار مقلمة، على طولها، عبق الربيع يفوح من حين لآخر، أشياء تبعث في النفس الراحة والطمأنينة، لعلها بوادر الاحتفال بالعرس الكروي، تخيلت ما سيكون عليه المغرب بعد أعراس سنة 2030 م، لعله عهد جديد، سيقود بلدي الغالي نحو القمة في عهد من يعيش في قلوبنا ونعيش في قلبه، متعه الله تعالى بالصحة والعافية، وطول العمر.
ركنت السيارة في المكان المعهود، وحاولت الترجل، وقبل أن تقع قدمي اليمنى على الأرض تراجعت خوفا من الضغط على مخلوق صغير، ظننته بادئ الأمر نملة، فهذه رمز للعظمة والجد والاجتهاد، ومنها تؤخذ الدروس والعبر، فهي تفرض الاحترام والتقدير على الكل، مملكتها رمز للقوة وجمال الاحترام، كل منهمك في قضاء الأمور التي تحت مسؤوليته، السلطان طاعته مطلقة، ولا أحد يتطاول على أحد، فالعمل عبادة … دققت النظر جيدا، ثم ضغطت بقوة شديدة؛ الأمر ليس كما توقعت، فهذا عنكبوت؛ حشرة من أرذل الحشرات، لا مملكة له ولا سلطان، يُقتل الضيف في بيته، فأي زائر دخله يكون مصيره الموت بلا رحمة، والأنثى فيه تقتل زوجها بمجرد الانتهاء من عملية التناسل، ولكي ينجو يقدم لها قبل البدء حشرة ملفوفة تنشغل بأكلها، ويلوذ هو بالفرار، ولا يعود لبيت الراحة أبدا، سحقته، فمن القساوة والغلظة أن يعيش الكائن لنفسه فقط دون التفكير في غيره …. تابعت السير، فتحت باب المؤسسة الخلفي، رفعت رأسي فإذا بعيني تقع على الجناح المقابل له مباشرة، جناح اختير له اسم “جناح المهدي المنجرة”، هنيئا لمن اختار هذا الاسم، ورحم الله هذا المستبصر الذي نبه إلى ضرورة الاهتمام بمجموعة من الأشياء تخدم هذا البلد، ولا ندري أأفرغ كل ما لديه أم باغته الموت قبل ذلك؟ وللتو حظر ببالي كتاب كنت قد قرأته لسنوات، تحت عنوان ” مُتْ فَارِغًـا ” للكاتب تود هنري ترجمة عمر قايد”، كتب في صفحته الأولى: ( وا أسفاه على من لا يُغنون أبدا، وإنما يموتون وقد جُثِّمَتْ في داخلهم كل موسيقاهم)، فكم من أفكار عظيمة دُفِنت مع أصحابها، ليت العمر يسعف المرء حتى يخرج كل ما في جعبته.
ولجت، وبداخلي حنين لا أعرف مصدره إلى: القسم، القاعة، التلاميذ وتخلق البعض، وشقاوة البعض الآخر، السبورة، الطباشير، أقلام اللباد وروائحها اللاذعة….، المدرسة واسعة، أشجارها وارفة، زقزقة العصافير تطرب الآذان، فالمساحة الواسعة تبعث في الفؤاد الراحة والهدوء، لأن النفس دائما تنفر من الضيق، فهي قبل أن تسكن الجسد وتنحبس فيه كانت في المكان الواسع الرحب؛ الجنة.
شساعة المؤسسة أضفت على العاملين بها نوعا من المحبة والتآزر، خاصة وأن المدير فيها لم تنسه بنود الإدارة الجافة في بعض الأحيان الجانب الإنساني والأخلاقي، فكان بذلك كان الشخص الأنسب في المكان المناسب.
دخلت القسم، تاركة الباب مفتوحا، إشارة للتلاميذ المصطفين أمامه بالدخول…، وكالعادة يكون اللقاء الأول للتعارف وتسطير الميثاق والنظام الداخلي والقوانين التي سنحاول جميعا احترامها طيلة أيام وشهور هذا الموسم الدراسي، بعد التحية والترحيب وتهنئة الناجحين باجتياز امتحان الثالثة إعدادي، فهذا إنجاز عظيم في مسار التلميذ، ينتقل بموجبه من مستوى إلى مستوى أعلى، وتشجيعهم وبث روح الأمل في نفوسهم، ثم تقديم النصح والإرشاد للذين لم يحالفهم الحظ وعليهم إعادة المستوى، فالرسوب أو السقوط ليس عيبا لكن العيب في أن يظل الشخص حيث سقط… انتقلنا إلى مرحلة التعارف، وبعيون واسعة كلها أمل وثقة في النفس، قدم كل تلميذ نفسه مع ذكر اسم المؤسسة الوافد منها، فقد علمتنا المواقف والتجارب أن للمدرسة دور كبير في التأطير، فمستوى القادم من هذه ليس هو مستوى القادم من تلك، إذ هناك من أصبح هدفه وشغله الشاغل هو تحقيق أكبر نسبة من النجاح، أما مستوى التلميذ فيضرب به عرض الحائط، وفي هذا نوع من التقصير في حق الوطن وأبنائه.
لابد من الاعتراف بأن هؤلاء الذين قدموا أنفسهم الآن أمامي، وأولئك الذين درستهم بالأمس القريب، أطفال أغلبهم آباؤهم أو أجدادهم من الجيل الذي أطلق عليه البعض اسم: “السكتة القلبية” وهو جيل حصل على شهادة الباكالوريا أو الإجازة في تسعينيات القرن الماضي واصطدم بواقع مرير، واقع يشير إلى أن أبواب وفرص الشغل مسدودة في الوجوه آنذاك، ومع هذا الجيل ظهر وضع جديد يُعرف “ببطالة حاملي الشهادات في المغرب”، أمامي جيل رضع هذه المأساة من ثدي الأمهات ورآها في العرق المتصبب من جبين الآباء، وعلم النفس يخبر بأن الطفل يتأثر ويشعر بمعاناة أمه أو فرحها حتى وإن كان في البطن، فكيف إذا كانت الخيبة وفقدان الأمل في مجموعة من الأشياء حديث اليوم داخل أغلب الأسر، جيل فقد الثقة في كثير من المؤسسات، جيل يفكر بطريقة غير التي يفكر بها من سبقوه، جيل يقدم مصلحته الخاصة على الكل، جيل يؤمن كثيرا بالملموس والمحقق والمنجز…، جيل لا يثق في الوعود والشعارات، جيل ترعرع في محيط منفتح على العالم، هذا الذي جعلت منه العولمة قرية صغيرة، جيل يقارن بين ما هو متوفر لديه، وبين ما يتمتع به الآخر خارج الحدود.
انتقلنا إلى محطة التقويم التشخيصي، وزعت المطبوع وطلبت من أحدهم قراءة نص الانطلاق مع الأسئلة المصاحبة له؛ فإذا بالقسم بعد أن كان السكون هو المسيطر، تعمه فوضى وضوضاء عارمة تصم الآذان؛ فهذا يضحك وذاك يصيح وتلك تقول…. وهؤلاء منشغلين في أحاديث ثلاثية أو رباعية… لم أتبين الأمر في البداية، سألت ماذا؟ فأجابوا: “لا الدروس التي أخذوها هم لم نأخذها نحن” قلت كيف؟ أنتم كنتم جميعا السنة الماضية في مستوى إشهادي، “الثالثة إعدادي”، وأنا أعلم حق اليقين منذ أن كنت تلميذة مثلكم أن البرنامج الدراسي للثالثة إعدادي، أو أي مستوى إشهادي آخر في الدار البيضاء هو نفسه الذي يتلقاه تلميذ من نفس المستوى في العيون أو السمارة أو أكادير أو بوادي سطات، في الشمال والجنوب والغرب والشرق، صحيح قد تختلف طرق إيصال المعلومة باختلاف طرق التدريس والمدرسين، لكن يبقى المحتوى هو نفسه… ردوا عليَّ بصوت أعلى من صوتي: “هم من المدرسة العموميةّ” ونحن من “المدرسة الرائدة”، والدروس تختلف من مدرسة لأخرى، نحن في الرائدة لم نتلق مثلا: درس الممنوع من الصرف ودرس النسبة ووو… وعليك إعطائنا نموذجين مختلفين للتقويم التشخيصي كل حسب المدرسة القادم منها”، اختلط الفهم، يتكلمون وكأن الرائدة من عالم آخر، وليست من رحم العمومية، هذا ما فهموه والذنب ليس ذنبهم.
احتقن الدم في وجهي، وسافرت للحظات…. أنا أمام قسم مشترك فيه تلاميذ كانوا بالأمس يدرسون في المدرسة الرائد، وآخرون في المدرسة العمومية، وإن كانت الاثنتان عمومية !، وهم الآن جميعا في المدرسة العمومية مجازا ! . .. صحيح، أنا لم أطلع على برنامج المدرسة الرائدة في أي مستوى، ربما غفلة مني أو تقصيرا في حقي…. لكن لماذا حذفت الرائدة مجموعة من الدروس؟ …. لم أجد لهذا جوابا، لكن وجدت الطريقة التي أعيد بها القسم إلى صورته الأولى، حسمت الخلاف، قائلة: بالنسبة لتلاميذ الرائدة سأخصص لهم وقتا في مرحلة الدعم وأشرح لهم الدروس التي لم يتلقوها السنة الماضية.
مؤسسات الريادة قد تكبد البلد أموالا طائلة، وليس من حقها أن تعود بأبنائنا إلى دروس أقل مستوى من التي كانت تدرس في المدرسة الأم، لعلها دهشة البداية، فلكل جديد دهشة، أو لعلها نبتة تُسقى بأياد أو بمياه بعيدة كل البعد عن ميدان التربية والتعليم.
هذا الوطن أعداءه كُثُر، رحمة به كفانا تفرقة وتقسيما، بالأمس تم تقسيم الجسم “المعلمي والأستاذي”، إن صح هذا التعبير فَجُعِل منه: المرسم، والمتدرب والمتعاقد…. واحتمل هذا الجسم شيئا ما هذا التمييز والتقسيم لبعض من الوقت، فهو جسم راشد، صغير السن فيه نيف على العقد الثالث من العمر، واليوم تُعاد نفس الكرة بتقسيم “الجسم التلاميذي”، وهذا جسم غص طري في طور النمو، لم تكتمل أعضاؤه بعد قد لا يحتمل، فالقادم من المدرسة العمومية الأولى ينظر إلى نفسه نظرة ازدراء ظنا منه أن الوافد من الرائدة ذا مستوى أعلى منه، والوافد من هذه الأخيرة يعيش نوعا من النشوة الباهتة، معتقدا أن مستواه أعلى من مستوى ابن المدرسة الأصل، والواقع يشهد أن المستويين معا في حالة احتضار، وأن المستوى العالي الذي يتم التبجح به في بعض الأحيان يوجد في أذهان البعض فقط، أما الواقع فيشهد ويقول: إن التعليم في بلادي يحتضر، ولا أحد يبرئ نفسه من ذلك، فالكل مسؤول عن هذا الاحتضار والتدني؛ فرد، أسرة، مدرسة، جماعة، محيط، ومجتمع…..
ابنة مدينة الكارة: خدوج مجد

تصنيفات