









الجديدة ودكالة.. حكايات أقلام صنعت مجد الصحافة الورقية في الزمن الجميل
الوكالة
2026-11-04

مراد مزراني
لم تكن الصحافة المغربية وليدة اليوم، بل تمتد جذورها إلى القرن التاسع عشر، حين بدأت التجارب الصحفية الأولى تشق طريقها داخل المغرب، في سياق تاريخي اتسم بالتنافس الأجنبي والتحولات السياسية. وتختلف المراجع في تحديد البدايات الأولى؛ إذ تشير بعض الدراسات إلى صدور صحيفة «الإفريقي الحر» باللغة الإسبانية سنة 1820، بينما يُعد صدور جريدة «المغرب» باللغة العربية بمدينة طنجة في 15 ماي 1889 محطة بارزة في تاريخ الصحافة العربية بالمغرب، إلى جانب تجارب صحفية أخرى ساهمت في تمهيد الطريق أمام تطور الإعلام المكتوب. <Cite refs={[“turn698033search1″,”turn698033search7″,”turn698033search10”]}/>
ومن هذه المسيرة الطويلة، التي صنعتها أجيال من الصحفيين والمراسلين، تبرز ذاكرة الصحافة المحلية بمدينة الجديدة وإقليم دكالة، حيث ارتبط اسم عدد من الأقلام بمرحلة مميزة من تاريخ الإعلام الورقي، حين كانت الجريدة تصل إلى القارئ محمّلة بالأخبار والتحقيقات والقصص الإنسانية، وكانت المراسلة الصحفية تتطلب جهداً ميدانياً وصبراً ومتابعة دقيقة قبل أن تجد طريقها إلى صفحات الجرائد الوطنية.
في تلك المرحلة، لم تكن المهنة سهلة؛ فالمراسل الصحفي كان ينتقل بين الجماعات والمراكز والقرى، ويتابع قضايا المواطنين وانشغالاتهم، ويتواصل مع المسؤولين والفاعلين المحليين، ثم يصوغ مادته ويرسلها إلى هيئة التحرير، في انتظار نشرها ضمن عدد ورقي يتداوله القراء. وكانت قيمة الخبر تقاس بمدى دقته وأهميته، كما كانت الثقة بين الصحفي ومصادره تُبنى عبر سنوات من العمل والالتزام.
وقد حملت أسماء من الجديدة ودكالة حضوراً في صفحات عدد من المنابر الوطنية، من بينها «الصباح» و«الأحداث المغربية» و«العلم» و«الاتحاد الاشتراكي» و«لوبينيون» و«لوماتان» و«ليبراسيون»، وغيرها من الصحف التي شكلت جزءاً من الذاكرة الإعلامية المغربية. ومن بين الأسماء التي ارتبطت بهذه التجربة الصحفية عبد الله غيتومي، المعروف بصلته بجريدة «الصباح»، والراحل المصطفى لخيار الذي ارتبط اسمه بجريدة «لوماتان»، إلى جانب أحمد شهيد وحميد بوهالي وأحمد ذو الرشاد، فضلاً عن أسماء أخرى ساهمت في نقل أخبار المنطقة ومتابعة قضاياها.
ويظل الراحل المصطفى لخيار من الأسماء التي تستحضرها الذاكرة الصحفية بالجديدة، بالنظر إلى مساره المهني وما راكمه من تجربة في العمل الصحفي، فضلاً عن اهتمامه بالشأن الثقافي والتراثي المحلي. وقد شكل رحيله في أكتوبر 2024 مناسبة لاستحضار مساره وما تركه من أثر في محيطه المهني والإنساني.
كما يحضر اسم عبد الله غيتومي ضمن ذاكرة الصحافة المحلية، باعتباره من الأسماء التي ارتبطت بالمراسلة لفائدة جريدة «الصباح»، في وقت كانت فيه الصحافة الورقية تعتمد بشكل كبير على المراسلين المنتشرين بمختلف المدن والأقاليم لتقريب الأحداث من القارئ الوطني.
ولا تقتصر ذاكرة الصحافة بدكالة على المراسلين وحدهم، بل تشمل أيضاً صحفيين وباحثين وفاعلين ثقافيين أسهموا في توثيق تاريخ المنطقة والتعريف بذاكرتها، ومن بينهم المصطفى أجماهري، الذي ارتبط اسمه بالبحث في تاريخ الجديدة وتراثها، وبمشروع «دفاتر الجديدة» الذي أضاف لبنة مهمة إلى جهود حفظ الذاكرة المحلية.
إن استحضار هذه الأسماء لا يروم ترتيب الصحفيين أو المفاضلة بينهم، بقدر ما يسعى إلى الاعتراف بقيمة مرحلة مهنية كان فيها للورق حضوره الخاص، وللخبر إيقاعه المختلف، وللمراسل مكانته باعتباره حلقة وصل بين الحدث المحلي والرأي العام الوطني.
لقد تغيرت وسائل العمل الصحفي اليوم، وانتقل الخبر من صفحات الجرائد إلى المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي، وأصبحت المعلومة تنتشر في ثوانٍ معدودة. غير أن هذا التحول، على أهميته، لا يلغي قيمة التجربة السابقة ولا يقلل من دور الأجيال التي راكمت خبرتها في الميدان، وأسهمت في التعريف بقضايا الجديدة ودكالة وإيصال صوت ساكنتها إلى مختلف المنابر.
وتبقى الحاجة قائمة إلى جمع وتوثيق ذاكرة الصحافة بالإقليم، من خلال أرشفة القصاصات القديمة والصور والوثائق المهنية والشهادات، بما يحفظ أسماء من اشتغلوا في صمت، ويوثق مساراتهم للأجيال المقبلة؛ لأن تاريخ الصحافة لا تصنعه المؤسسات والعناوين وحدها، بل تصنعه أيضاً أقلام حملت همّ الكلمة، وراكمت تجربة تستحق أن تُروى وتُصان.
إنه زمن الصحافة الورقية الجميل، حين كانت للكلمة رائحة الحبر، وللجريدة موعد يومي مع القارئ، وللمراسل حكاية تبدأ من الميدان ولا تنتهي عند حدود الصفحة.




