









إردوغان يراهن على تحالف إقليمي جديد لتعزيز أمن المنطقة
الوكالة
2026-08-13

أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أن العلاقات بين تركيا والمملكة العربية السعودية تتخذ طابعا «استراتيجيا»، معتبرا أن المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من تطوير التعاون بين البلدين، في وقت دافع فيه عن اتفاقية مكة للدفاع المشترك الموقعة بين تركيا والسعودية وباكستان، باعتبارها خطوة تتجاوز الحسابات الظرفية المرتبطة بالتوترات الحالية في المنطقة.

وقال إردوغان، في أجوبة مكتوبة عن أسئلة وجهتها إليه صحيفة «الشرق الأوسط» عقب توقيع الاتفاقية مع ولي العهد السعودي رئيس الوزراء الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في مكة المكرمة، إن العلاقات التركية السعودية تستند إلى رؤية استراتيجية، معربا عن أمله في أن تشهد الفترة المقبلة خطوات جديدة من شأنها الارتقاء بهذه العلاقات إلى مستويات أعلى.
وأوضح الرئيس التركي أن اتفاقية مكة للدفاع المشترك جاءت نتيجة للتحولات التي شهدتها المنطقة، ولإدراك الدول الثلاث لحجم المسؤوليات الملقاة على عاتقها في ظل التطورات الأمنية والسياسية المتسارعة، مشددا على أن دول المنطقة ينبغي أن تكون في صدارة الجهود الرامية إلى معالجة أزماتها، بدل انتظار حلول أو وصفات تأتي من خارج الإقليم.
وأكد إردوغان أن الاتفاقية لا ينبغي تفسيرها باعتبارها مجرد رد فعل على التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، معتبرا أن هذا الاختزال من شأنه أن يعطي صورة غير دقيقة عن أهداف الاتفاقية وخلفياتها. وأوضح أن فكرة التنسيق الثلاثي كانت مطروحة منذ فترة، وأنها جاءت نتيجة مباحثات واتصالات متواصلة بين الأطراف الموقعة ومع عدد من دول المنطقة.
وأشار إلى أن الاتفاقية تستند إلى حق الدفاع الذي تكفله المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، مؤكدا أنها «لا تستهدف أي دولة»، وأنها مفتوحة أمام الدول الشقيقة التي ترغب في الانضمام إليها، بما يعكس، وفق تصوره، رغبة في توسيع إطار التعاون الإقليمي بدلا من حصره في الدول الثلاث الموقعة.
ويرى الرئيس التركي أن الهدف الأساسي من الاتفاقية يتمثل في بناء منظومة ردع جماعي، وتعزيز التضامن الأمني بين الأطراف، وتحصين الاستقرار الإقليمي، وليس فقط إقامة ترتيبات عسكرية تقليدية. وأوضح أن أي تهديد يطال أمن أحد الأطراف الموقعة ينبغي التعامل معه باعتباره تهديدا أمنيا لبقية الأطراف، مع تطوير مجالات التعاون الدفاعي والأمني، ودعم الصناعات الدفاعية المشتركة، وتعزيز الجهود الرامية إلى مكافحة الإرهاب.
وشدد إردوغان على أن البعد الردعي للاتفاقية لا يعني بالضرورة توجها نحو التصعيد، بل يرمي، حسب طرحه، إلى منع نشوب النزاعات من خلال تعزيز قدرة الدول المعنية على حماية أمنها، وتقوية الثقة والتضامن بينها، وإرسال رسالة مفادها أن أمن كل دولة مرتبط بأمن شركائها.
وفي هذا السياق، اعتبر الرئيس التركي أن دول الشرق الأوسط أصبحت مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتحمل مسؤولية أمنها واستقرارها ومستقبلها، مؤكدا أن شعوب المنطقة ودولها هي الأقدر على فهم خصوصيات أزماتها وتحديد الحلول المناسبة لها.
ودعا إلى الانتقال من العلاقات الثنائية المتفرقة إلى آليات تعاون إقليمي مؤسساتية وأكثر استدامة، تقوم على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها والثقة المتبادلة والمصالح المشتركة، معتبرا أن الهدف لا ينبغي أن يكون إقامة تكتلات مغلقة أو إقصائية، وإنما بناء نظام تعاون إقليمي قادر على التعامل مع الأزمات الأمنية والاقتصادية بصورة جماعية.
ولم يفصل إردوغان بين الأمن والتنمية الاقتصادية، إذ أبرز الأهمية التي يكتسيها استقرار منطقة الخليج بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي، خصوصا في ما يتعلق بأمن إمدادات الطاقة، وسلامة الممرات البحرية، واستمرار حركة التجارة الدولية، واستقرار الأسواق والاقتصاد العالمي.
واعتبر أن أمن الخليج لا يمثل قضية إقليمية محضة، بالنظر إلى موقع المنطقة في شبكة المبادلات الاقتصادية العالمية، وارتباطها المباشر بالروابط التجارية بين آسيا وأوروبا وإفريقيا، مؤكدا أن استمرار الاستثمارات والتجارة وتحقيق الازدهار الاقتصادي يظل مرتبطا بتوفير بيئة مستقرة سياسيا وأمنيا.
ويرى الرئيس التركي أن اتفاقية مكة يمكن أن تشكل، في هذا الإطار، إحدى الأدوات التي تساعد على تعزيز مفهوم الأمن المشترك في المنطقة، من خلال الجمع بين التعاون الدفاعي والتنسيق السياسي وتبادل الخبرات وتطوير القدرات، بما يفتح المجال أمام شراكات أوسع في المستقبل.
وفي ما يتعلق بالتوتر الإقليمي، شدد إردوغان على ضرورة وقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان، معتبرا أن استمرار التصعيد يفاقم المخاطر التي تواجه المنطقة ويحول دون توفير شروط الاستقرار. كما تحدث عن الوضع في سوريا، معتبرا أن البلاد دخلت مرحلة جديدة، وأن الأولوية ينبغي أن تكون لتهيئة الظروف المؤدية إلى سلام دائم واستقرار وإعادة إعمار.
وفي الملف السوري، أكد الرئيس التركي أن بلاده لن تسمح، حسب تصريحاته، بوجود تنظيمات أو كيانات في شمال سوريا أو في أي جزء آخر من الأراضي السورية تعتبرها أنقرة تهديدا لأمنها القومي، وهو ما يعكس استمرار أولوية الملف الأمني السوري في السياسة الإقليمية التركية.
كما خص إردوغان مضيق هرمز باهتمام خاص، بالنظر إلى موقعه باعتباره أحد الممرات البحرية الحيوية للاقتصاد العالمي، مؤكدا أن استقرار حركة الملاحة فيه يرتبط مباشرة بأمن الطاقة والتجارة الدولية.
وأعرب عن أمله في أن ينتهي التوتر القائم حول المضيق في أقرب وقت، وأن تعود حركة الملاحة إلى طبيعتها، بما يضمن استمرار التجارة الدولية بصورة آمنة ومستقرة ومن دون انقطاع.
وتكشف مواقف الرئيس التركي عن رؤية تسعى إلى منح القوى الإقليمية دورا أكبر في إدارة الملفات الأمنية والسياسية التي تمس المنطقة، مع الدفع نحو بناء ترتيبات جماعية لا تقتصر على الجانب العسكري، وإنما تمتد إلى الاقتصاد والطاقة والتجارة والأمن البحري.
وفي هذا التصور، تبدو اتفاقية مكة للدفاع المشترك، وفق الطرح الذي قدمه إردوغان، جزءا من مسار أوسع لإعادة صياغة مفهوم الأمن الإقليمي، من خلال تعزيز قدرة دول المنطقة على التنسيق في ما بينها، وتقليص الاعتماد على الترتيبات الخارجية، مع إبقاء الباب مفتوحا أمام انضمام دول أخرى إلى هذا الإطار.
ويأتي ذلك في ظرف إقليمي شديد الحساسية، تتقاطع فيه ملفات التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، وأمن الخليج ومضيق هرمز، والحرب في لبنان، والوضع السوري، وأمن الطاقة والممرات التجارية، ما يجعل أي ترتيبات دفاعية جديدة محط اهتمام سياسي وأمني يتجاوز حدود الدول الثلاث الموقعة عليها.




