









موجة الحر تعمق أزمة الكهرباء في تونس وتزيد الارتهان للإمدادات الجزائرية
الوكالة
2026-07-25

تفاقمت أزمة الكهرباء في تونس خلال يوليوز الجاري، بعدما تحولت الانقطاعات المتفرقة إلى برنامج يومي للقطع الدوري شمل مناطق واسعة من البلاد، في ظل ارتفاع غير مسبوق في الطلب على الطاقة بسبب موجة الحر، وهو ما كشف عن هشاشة المنظومة الكهربائية واعتمادها الكبير على الغاز الطبيعي والإمدادات القادمة من الجزائر.
وأعلنت الشركة التونسية للكهرباء والغاز “الستاغ” عن برمجة انقطاعات للتيار الكهربائي خلال فترات النهار والمساء، شملت العاصمة تونس وعددا من المحافظات، مؤكدة أن لائحة المناطق المعنية بالقطع تظل قابلة للتوسيع تبعا لوضعية الشبكة وحجم الاستهلاك.
وتعتمد “الستاغ” ما يعرف بسياسة “التخفيف الدوري للأحمال”، التي تقوم على فصل التيار الكهربائي عن مناطق محددة لفترات زمنية قصيرة ثم إعادته، قبل الانتقال إلى مناطق أخرى، بهدف تفادي انهيار شامل للشبكة الوطنية. غير أن تكرار هذه العمليات منذ منتصف يوليوز، واتساع نطاقها الجغرافي، أثار موجة من الاستياء في صفوف المواطنين والفاعلين الاقتصاديين، خاصة في ظل إعادة التيار في أوقات مختلفة دون إشعارات مسبقة، وهو ما أربك السير العادي للأنشطة الاقتصادية والخدماتية.
وعزت الشركة التونسية للكهرباء والغاز هذه الاضطرابات إلى الارتفاع القياسي في درجات الحرارة، وما صاحبه من استعمال مكثف لأجهزة التكييف. وأوضح مديرها العام، فيصل طريفة، أن الطلب على الكهرباء بلغ خلال ساعات الذروة نحو خمسة آلاف ميغاواط، بزيادة تقارب 30 في المائة مقارنة بالمستويات المعتادة، وهو ما تجاوز في بعض الفترات قدرات الإنتاج المتاحة، وفرض اللجوء إلى القطع الدوري لتجنب انقطاع شامل للكهرباء على الصعيد الوطني.
غير أن متابعين يرون أن موجة الحر ليست سوى عامل ظرفي سرّع ظهور أزمة أعمق ترتبط ببنية القطاع الطاقي في تونس. فوفق معطيات المرصد الوطني للطاقة والمناجم، يعتمد حوالي 91 في المائة من إنتاج الكهرباء على الغاز الطبيعي، في حين لا تتجاوز مساهمة الطاقات المتجددة 9 في المائة، رغم الإمكانات الكبيرة التي تتوفر عليها البلاد في مجال الطاقة الشمسية.
وتشير الأرقام الرسمية إلى أن إنتاج الكهرباء يستهلك نحو 65 في المائة من إجمالي الطلب الوطني على الغاز، ما يجعل القطاع رهينا بتقلبات سوق الغاز المستورد، وخاصة الإمدادات القادمة من الجزائر، إلى جانب تأثره بارتفاع الأسعار العالمية وضغوط التمويل ونقص السيولة التي تواجهها الشركة التونسية للكهرباء والغاز.
ويضاف إلى ذلك تأخر مشاريع تحديث الشبكة الكهربائية، وضعف الاستثمارات في الطاقات المتجددة وأنظمة التخزين، فضلا عن غياب احتياطي إنتاجي كاف يمكن اللجوء إليه خلال فترات الذروة، وهي عوامل جعلت المنظومة أكثر هشاشة أمام أي ارتفاع مفاجئ في الاستهلاك.
وتبرز معطيات رسمية حجم اعتماد تونس على الجزائر في مجال الطاقة، إذ استوردت خلال الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2026 نحو 722 جيغاواط/ساعة من الكهرباء، معظمها من شركة “سونلغاز” الجزائرية، وهو ما مثل حوالي 9 في المائة من حاجيات السوق المحلية، رغم تسجيل تراجع بنسبة 15 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
وكشفت الأزمة الأخيرة مدى الترابط بين الشبكتين الجزائرية والتونسية، بعدما أدى العطل التقني الذي عرفته منشأة سيدي عقبة بولاية بسكرة الجزائرية، ليلة 14 و15 يوليوز الجاري، إلى اضطراب المبادلات الكهربائية بين البلدين وتقليص الإمدادات الموجهة إلى تونس، في وقت كانت فيه البلاد تواجه مستويات قياسية من الطلب على الكهرباء.
ولم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب التقني، بل امتدت إلى النسيج الاقتصادي، إذ تسببت الانقطاعات المتكررة في توقف عدد من خطوط الإنتاج الصناعية، وإتلاف مواد أولية ومنتجات غذائية، وتأخير عمليات التسليم، فضلا عن ارتفاع تكاليف التشغيل نتيجة الاعتماد على المولدات الكهربائية.
كما حذرت منظمات مهنية تمثل أرباب المقاولات من الخسائر التي تكبدتها قطاعات الصناعة والنسيج والفلاحة والمطاعم والخدمات، مطالبة الشركة التونسية للكهرباء والغاز بنشر جداول دقيقة ومسبقة لمواعيد الانقطاعات، حتى تتمكن المؤسسات من تنظيم أنشطتها والحد من الأضرار.
وعلى المستوى الاجتماعي، زادت موجة الحر من حدة الأزمة، إذ حرم انقطاع الكهرباء آلاف الأسر من وسائل التبريد، وأثر على المرضى وكبار السن، كما انعكس على حفظ الأدوية والمواد الغذائية، وضخ المياه، وتشغيل المصاعد ووسائل الاتصال، الأمر الذي حول أزمة الكهرباء إلى أحد أبرز التحديات التي تواجه السلطات التونسية، في ظل مطالب متزايدة بالإسراع في إصلاح القطاع وتسريع الانتقال نحو الطاقات المتجددة لتقليص التبعية الخارجية وضمان أمن البلاد الطاقي.




