لغز اختفاء تبون يشعل التكهنات في الجزائر

الوكالة

2025-09-03

يعيش المشهد السياسي في الجزائر على وقع لغز محير عنوانه اختفاء الرئيس عبد المجيد تبون، الذي غاب عن الأنظار منذ الرابع من غشت الماضي، في فترة حبلى بالأحداث الدراماتيكية والأزمات المتشابكة. هذا الغياب الذي تجاوز الأسابيع لم يعد مجرد مسألة شخصية أو عطلة صحية، بل تحول إلى مادة أساسية للنقاش العام وإلى لغز سياسي يعيد إلى الواجهة طبيعة النظام الحاكم في البلاد.

أولى علامات الغياب برزت عقب فاجعة وادي الحراش، التي أودت بحياة عدد كبير من المواطنين، حيث كان المنتظر أن يظهر الرئيس لتقديم التعازي أو تفقد الضحايا، غير أن ذلك لم يحدث. وبدلا من ذلك اكتفى الإعلام الرسمي ببيانات باهتة نُسبت إلى تبون، في وقت كان الجزائريون يبحثون عن صورة أو كلمة مباشرة من رئيسهم.

المفارقة الأكثر إثارة للجدل تمثلت في لجوء التلفزيون الرسمي إلى إعادة بث صور قديمة للرئيس على أنها حديثة، ما كشف عن ارتباك في التعاطي مع غيابه وعمّق من أزمة الثقة بين السلطة والرأي العام. تزامن ذلك مع تداول شهادات محلية عن تعزيز الانتشار العسكري في محيط مؤسسات الدولة والإدارات الحساسة، وهو ما اعتبره متابعون مؤشرا على أن مراكز القرار الفعلية انتقلت بشكل أو بآخر إلى يد الجيش.

الغياب لم يتوقف عند المناسبات الاجتماعية أو الكوارث الإنسانية، بل تجاوز ذلك إلى المجال الأمني الاستراتيجي. فقد ترأس رئيس الأركان السعيد شنقريحة لأول مرة اجتماعا للمجلس الأعلى للأمن القومي في غياب الرئيس، وهو سابقة تساءل بشأنها المراقبون، باعتبارها مؤشرا إضافيا على أن السلطة المدنية في أضعف حالاتها وأن المؤسسة العسكرية تكرس نفوذها المباشر.

الجدل تعمق أكثر عندما حل إبراهيم غالي، زعيم الجبهة الانفصالية، بالجزائر للمشاركة في معرض التجارة الإفريقية، حيث جرت العادة أن يتم استقباله على أعلى مستوى، غير أن وزير التجارة الخارجية هو من كان في انتظاره هذه المرة، ما اعتبر رسالة رمزية تعكس غياب رأس الدولة عن مشهد خارجي لطالما أولته الجزائر عناية قصوى.

في ظل هذه المؤشرات المتراكمة، تتعدد التكهنات حول مكان وجود تبون وحالته، بين من يرى أنه في رحلة علاجية بألمانيا بعيدا عن الأضواء، ومن يذهب إلى فرضيات أكثر قتامة تتحدث عن فقدانه القدرة على ممارسة مهامه أو حتى وفاته، بينما تفضل المؤسسة الرسمية الصمت أو تقديم صور أرشيفية لإبقاء الغموض قائما.

لغز اختفاء تبون لم يعد مجرد غياب عابر لرئيس دولة، بل تحول إلى مرآة تكشف هشاشة النظام السياسي الجزائري وتوازناته الخفية، وتثير أسئلة عميقة حول من يحكم فعليا البلاد وكيف تُدار الملفات الداخلية والخارجية في لحظة إقليمية دقيقة. وبين صمت رسمي متواصل وتكهنات لا تنقطع، يبقى هذا الغياب لغزا مفتوحا يترقب الجزائريون ومعهم المراقبون الإقليميون والدوليون لحظة انجلائه.