









روسيا ومالي تنسجان خيوط شراكة جديدة تعمق عزلة الجزائر في الساحل
الوكالة
2025-06-25

تشهد منطقة الساحل تحولا عميقا في موازين القوى، تقوده روسيا عبر نسج شراكة استراتيجية متقدمة مع مالي، في خطوة تعكس رغبة الكرملين في ترسيخ نفوذ مؤسساتي دائم يتجاوز الطابع العسكري غير الرسمي، ويتغلغل في قطاعات متعددة تمس صميم السيادة الاقتصادية والأمنية للدول الإفريقية.
زيارة الرئيس الانتقالي المالي إلى موسكو ولقاؤه الرسمي مع الرئيس الروسي، شكلت لحظة مفصلية في مسار العلاقات بين البلدين. فالاتفاقيات الموقعة شملت مجالات واسعة من الدفاع والطاقة والتجارة، مرورا بالخدمات اللوجستية، وصولا إلى التعاون في استغلال الموارد الطبيعية. هذا التوجه يؤشر إلى انتقال روسيا من منطق التدخل الأمني المحدود، الذي طبع حضور مجموعة “فاغنر”، إلى شراكة طويلة الأمد تقودها وزارة الدفاع الروسية مباشرة عبر “فيلق إفريقيا”، في تناغم مع ديناميات مؤسساتية جديدة ترعاها الدولة الروسية بشكل مباشر.
في العمق، لا يمكن فصل هذه الدينامية عن الانسحاب التدريجي للنفوذ الفرنسي من المنطقة، بعد سنوات من التدخل العسكري غير المجدي، الذي فشل في تطويق الجماعات المسلحة أو في دعم بناء مؤسسات محلية مستقرة. وبينما تراجعت الثقة في الأوروبيين، ظهرت روسيا كشريك بديل يُقدّم دعما مباشرا، ويظهر مرونة ميدانية وتفهما للخصوصيات المحلية دون فرض وصاية.

غير أن هذا التحول لم يكن بلا كلفة على المستوى الإقليمي، خصوصا بالنسبة إلى الجزائر، التي وجدت نفسها فجأة خارج حسابات المعادلة الجديدة في الساحل. فقد كانت تنظر تقليديا إلى مالي باعتبارها امتدادا طبيعيا لنطاق نفوذها الأمني والسياسي، وعملت لسنوات على دعم مجموعات انفصالية شمال البلاد، سعيا لخلق أوراق ضغط تتيح لها لعب دور الموجّه الإقليمي. غير أن الشراكة الروسية-المالية، بما تحمله من دعم لوحدة مالي ورفض للحركات الانفصالية، أطاحت بهذا الطموح وقلّصت هوامش المناورة الجزائرية.
التوتر المتزايد بين الجزائر ومالي، وتبادل إجراءات مثل إغلاق المجال الجوي وسحب السفراء، يكشفان عمق الأزمة التي تعيشها السياسة الإقليمية الجزائرية، والتي ظلت حبيسة منطق الحرب الباردة والرهان على التدخل الخفي. واليوم، تبدو الجزائر في موقع دفاعي، تتابع من بعيد بناء محاور أمنية وسياسية جديدة دون أن تكون فاعلا فيها، في وقت تشهد فيه بوركينا فاسو والنيجر تحولات مماثلة تعمق من هذه العزلة.
أمام هذا الواقع، تتضح ملامح نظام إقليمي ناشئ، لا مكان فيه للوصاية التقليدية، ولا لتلك القوى التي دعمت الفوضى بحجج الاستقرار. الشراكة بين روسيا ومالي تعكس تحولا في الفلسفة السياسية والأمنية لدول الساحل، نحو نماذج أكثر سيادة واستقلالية، تُعلي من التعاون المتكافئ وتفتح الباب لتوازنات جديدة تعيد رسم الخارطة الإفريقية.
أما الجزائر، فقد تجد نفسها مطالبة بإعادة النظر في مقاربتها تجاه جوارها الإفريقي، إن أرادت الحفاظ على أي تأثير إقليمي. فالإصرار على رهانات خاسرة، وعلى دعم حركات انفصالية تعارضها دول ذات سيادة، لم يعد مقبولا في منطق العلاقات الدولية الجديدة، حيث السيادة والاحترام المتبادل أصبحا حجر الزاوية في أي شراكة ذات مصداقية.




