









هل تُجهز مشاريع التهيئة على 86 سنة من الذاكرة الشعبية
الوكالة
2026-11-02

محمد نشوان
على مشارف شارع العيون، حيث يلتقي إزيكي وأزلي وسوكوما، يقف “فران التراب” شاهداً على 86 عاماً من الذاكرة الجماعية لمراكش. الفرن الذي خبز خبز أجيال، و كان ملتقى نساء الحي وأطفاله، يجد نفسه اليوم في قلب مشروع كبير لإعادة تهيئة المدخل الغربي للمدينة، وسط مخاوف حقيقية من أن تتحول أشغال التوسعة إلى شهادة وفاة لمعلمة شعبية.
ففي إطار برنامج *”مراكش الحاضرة المتجددة”، تشهد المنطقة دينامية غير مسبوقة. فبعد نحو ثلاثة أشهر من انطلاق الأشغال، تقدمت أوراش توسعة الطريق الرابطة بين شارع العيون وشارع ورزازات، مروراً بمحيط مطار مراكش المنارة في اتجاه المحاميد، وتحويلها إلى طريق مزدوجة الاتجاهات.
الخطوة التي تنفس معها سكان أحياء أزلي وسوكوما وإيزيكي الصعداء، لما ستسهم فيه من تخفيف للاختناق المروري والحد من حوادث السير، وصلت اليوم إلى مشارف مدارة فران التراب بشارع العيون.
وحسب معطيات رسمية، تستعد السلطات المحلية لتنفيذ حكم قضائي يقضي بإخلاء وهدم عدد من البنايات والكراجات المقامة فوق الوعاء العقاري التابع لمجلس عمالة مراكش، والكائن بين المدارة المذكورة وأحياء سوكوما وسودري وتجزئة الحسن الثاني وحي السعادة.
وقد جرى تبليغ المستغلين بقرارات الإفراغ والهدم بشكل رسمي بواسطة مفوض قضائي وبمشاركة الشرطة الإدارية منذ أكثر من شهر، في أفق تحرير العقار وتمكين المشروع من استكمال مكوناته.
و قد نوهت الفعاليات الجمعوية بالمنطقة بالخطوة، معتبرة أن تحرير الملك العام الجماعي بشارع العيون سيساهم في تحسين المشهد الحضري وتهيئة الظروف لإحداث المدارة المرتقبة، بالنظر لموقعها الاستراتيجي كنقطة ربط بين أزلي وإيزيكي والسعادة وسوكوما.
لكن السؤال الذي يطرحه السكان اليوم لا يتعلق بالمدارة، بل بما بعدها: ماذا عن “فران التراب” نفسه؟
فران الحومة في مراكش، كما يصفه المؤرخون، ليس مجرد بناية “شبه مظلمة أقرب إلى جوف مغارة”. هو مؤسسة اجتماعية. كان الفران في مراكش منتشراً كقلب نابض للحومة، يجمع الجيران، يحفظ أسرار البيوت، ويشكل ذاكرة جماعية لا تعوض.
فران التراب بإزيكي، الذي يعود تاريخ إنشائه إلى أربعينيات القرن الماضي حسب روايات أبناء الحي حوالي 1940، أي نحو 86 سنة من الخدمة المتواصلة، نجا من كل التحولات العمرانية. فهل سينجو اليوم من ضغط التهيئة؟
العملية الحالية تعيد إلى الواجهة تساؤلات حول كيفية ظهور تلك البنايات والكراجات العشوائية فوق عقار جماعي لسنوات، دون إجراءات زجرية، في وقت كانت تطبق فيه صرامة على مخالفات تعميرية أخرى بالمدينة، وكيف استمرت الوضعية رغم تعاقب الولاة ومسؤولي الإدارة الترابية.
واليوم، يطالب السكان والمهتمون بالتراث غير المادي لمراكش بأن لا يكون تحرير الملك العام ذريعة لمحو ذاكرة الحي. فالمطلوب ليس وقف المشروع، الذي لا أحد يعارض أهميته، بل التفكير في مقاربة تحافظ على فران التراب كمعلمة تراثية حية، تدمجه في تصميم المدارة الجديدة، كما فعلت مدن أخرى حافظت على أفرانها التاريخية وحولتها إلى مزارات ثقافية.
إن كان الهدف من “مراكش الحاضرة المتجددة” هو تحسين انسيابية السير وجودة العيش، فإن جودة العيش لا تكتمل دون ذاكرة. وجدارية الفران الزرقاء التي تزين اليوم واجهة إزيكي، قد تكون التفاتة ذكية من شباب الحي ليقولوا للمخططين، هنا كان الفران، وهنا يجب أن يبقى.
فهل ستستمع السلطات لنداء الذاكرة، وتجعل من فران التراب جزءاً من الحل لا ضحية له؟




