









موريتانيا تفتح ملف الحدود والكويرة تعود إلى الواجهة
الوكالة
2026-10-07

أعاد تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بشأن الصحراء، المؤرخ في فاتح أكتوبر الجاري، ملف الحدود إلى واجهة النقاش حول مآلات النزاع، بعدما سجل أن موريتانيا طرحت، خلال جولة المفاوضات التي احتضنتها مدريد يومي 8 و9 فبراير الماضي، ثم خلال مشاورات لاحقة، فكرة إحداث لجنة تتولى توضيح الحدود الدولية النهائية والدائمة للإقليم المتنازع عليه، على أن يتم ذلك بطريقة توافقية.
ويكتسي هذا الطرح أهمية خاصة بالنظر إلى موقع موريتانيا داخل المسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة، إذ شاركت نواكشوط، إلى جانب المغرب والجزائر وجبهة البوليساريو، في جولات المفاوضات التي جرت خلال بداية السنة الجارية، والتي عرفت اجتماعات في واشنطن ومدريد، في إطار مسار أعيد تنشيطه عقب اعتماد مجلس الأمن للقرار 2797 سنة 2025. وأكدت الأمم المتحدة في فبراير الماضي أن وفودا رفيعة المستوى من الأطراف والدول المجاورة شاركت في مباحثات مدريد، بمواكبة من المبعوث الشخصي للأمين العام ستافان دي ميستورا والولايات المتحدة.
ولا يقدم التقرير الأممي، في المقابل، أي معطى يفيد بأن موريتانيا تقدمت رسميا بمطالبة إقليمية بمنطقة الكويرة، كما أنه لا يربط بشكل مباشر بين مقترح تشكيل لجنة للحدود وبين هذه المنطقة تحديدا. غير أن طرح مسألة الحدود النهائية أعاد الكويرة إلى النقاش في بعض وسائل الإعلام الموريتانية، بالنظر إلى موقعها الجغرافي الحساس بمحاذاة نواذيبو، وما يرتبط بالمنطقة من اعتبارات اقتصادية وأمنية وجيوسياسية.
وتكمن أهمية هذا التطور في أن الحديث عن الحدود لا يتعلق فقط بخطوط جغرافية على الخرائط، بل يرتبط، في حال التوصل إلى تسوية سياسية للنزاع، بتحديد الإطار الترابي الذي ستطبق داخله أي ترتيبات مستقبلية، سواء تعلق الأمر بالحكم الذاتي أو بالترتيبات الأمنية أو بالمؤسسات التي يمكن أن تنشأ خلال مرحلة انتقالية محتملة.
ويأتي ذلك في وقت انتقلت فيه المفاوضات، بحسب المعطيات الواردة في التقرير الأممي، من مستوى المبادئ العامة إلى مناقشة عناصر أكثر تفصيلا، من بينها الترتيبات السياسية والمؤسساتية والأمنية، فضلا عن بحث إمكانية إنشاء آليات انتقالية وضمانات دولية وآليات لتنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه. وتشير خلاصات متداولة حول التقرير إلى أن المشاركين ناقشوا أيضا إمكانية إحداث مجلس انتقالي ودور الأطراف الدولية في ضمان تنفيذ الترتيبات المتفق عليها، مع التأكيد على أن هذه الأفكار ما تزال موضوع تفاوض ولم تتحول إلى قرارات نهائية.
وفي هذا السياق، تبدو مسألة الحدود أكثر ارتباطا بالمرحلة المقبلة من المفاوضات، خصوصا أن أي صيغة نهائية للحل ستكون مطالبة بتحديد نطاقها الترابي وترتيباتها الأمنية والمؤسساتية بدقة. ومن هنا يمكن فهم التحرك الموريتاني باعتباره محاولة لضمان حضور مصالح نواكشوط في أي نقاش مستقبلي يتعلق بالحدود، من دون أن يعني ذلك، في حد ذاته، تغييرا في موقفها المعلن من قضية الصحراء.
وتحظى الكويرة بحساسية خاصة في الحسابات الموريتانية، بحكم موقعها في الطرف الجنوبي لشبه جزيرة الرأس الأبيض وقربها المباشر من مدينة نواذيبو، التي تمثل مركزا اقتصاديا ومينائيا رئيسيا في موريتانيا. ولذلك فإن أي نقاش مستقبلي حول الوضع الحدودي في المنطقة يمكن أن تكون له انعكاسات مباشرة على الاعتبارات الأمنية والاقتصادية المرتبطة بالمجال الموريتاني الشمالي.
وفي المقابل، شهدت الكويرة خلال السنوات الماضية عودة تدريجية إلى الخطاب التنموي والاستراتيجي المغربي، في سياق أوسع يتعلق بتطوير الأقاليم الجنوبية وتعزيز الواجهة الأطلسية للمملكة. وكان ظهور مشروع ميناء بالكويرة على خريطة بثتها القناة الأولى المغربية في أبريل 2021 قد أعاد الانتباه إلى المنطقة، باعتبارها جزءا من التصورات المرتبطة بتطوير البنية التحتية والموانئ في الأقاليم الجنوبية.
كما اكتسب المجال الممتد من الداخلة إلى الكويرة أهمية إضافية مع تنامي المشاريع المرتبطة بالربط الطرقي واللوجستيك والموانئ، إلى جانب التحولات التي شهدها المعبر الحدودي بالكركرات، الذي أصبح يشكل ممرا أساسيا لحركة البضائع والمسافرين بين المغرب وموريتانيا وباقي دول غرب إفريقيا.
وبالنسبة إلى نواكشوط، فإن هذه التحولات تفرض التعامل مع المنطقة الجنوبية للصحراء باعتبارها فضاء ذا ارتباط مباشر بالأمن الحدودي وبالحركة التجارية وبالمصالح الاقتصادية لمدينة نواذيبو. ولذلك فإن أي ترتيبات مستقبلية بشأن الحدود يمكن أن تكون محل اهتمام موريتاني، خصوصا إذا انتقلت المفاوضات من المبادئ السياسية إلى مناقشة التفاصيل العملية للتسوية.
غير أن استحضار الكويرة في هذا السياق يحتاج إلى قدر من الحذر، إذ لا توجد، وفق المعطيات الرسمية المتاحة، إشارة إلى إعلان موريتاني جديد يطالب بالمنطقة أو إلى قرار من نواكشوط بمراجعة موقفها التاريخي من النزاع. وما ورد في التقرير الأممي يتعلق بمقترح عام بشأن توضيح الحدود الدولية النهائية والدائمة للإقليم، بينما جاء الربط بين هذا المقترح والكويرة في قراءات وتغطيات إعلامية موريتانية لاحقة.
ويعود الموقف الموريتاني من النزاع إلى تحولات كبيرة عرفتها سياستها منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي. ففي سنة 1979، أنهت نواكشوط مشاركتها في الحرب وأعلنت التخلي عن مطالبها الإقليمية في الصحراء، وهو ما شكل لاحقا أحد الأسس التي استند إليها توصيف موريتانيا باعتبارها دولة مجاورة للنزاع وليست طرفا مباشرا فيه.
ومنذ ذلك التاريخ، حافظت موريتانيا على مقاربة تقوم على تجنب الانخراط المباشر في النزاع، مع دعم الجهود التي تقودها الأمم المتحدة للتوصل إلى تسوية سياسية. وقد أكدت نواكشوط في مناسبات مختلفة حرصها على عدم الانخراط في الاستقطاب الإقليمي المرتبط بالقضية، وعلى حماية مصالحها الأمنية والاقتصادية في محيطها الحدودي.
ويأتي التحرك الحالي في ظرف مختلف عن المراحل السابقة، إذ شهد المسار الأممي خلال 2026 عودة المفاوضات المباشرة بين المغرب وجبهة البوليساريو، بمشاركة الجزائر وموريتانيا، وبمواكبة أممية وأمريكية. وتشير المعطيات الأممية إلى أن المباحثات أصبحت تناقش بصورة أكثر تفصيلا عناصر الحل المحتمل، بينما أكدت الأمم المتحدة أن الوصول إلى اتفاق نهائي ما يزال يتطلب معالجة قضايا جوهرية وخلافية.
كما أن مقترح الحكم الذاتي المغربي أصبح في صلب النقاشات الجارية، بعدما أشارت الأمم المتحدة في فبراير 2026 إلى أن المباحثات التي عقدت في واشنطن ناقشت، على نحو معمق، مقترح الحكم الذاتي المغربي كأساس للنقاش، مع استمرار وجود قضايا أساسية تحتاج إلى معالجة للوصول إلى حل متوافق عليه.
وفي هذا الإطار، لا تبدو مسألة الحدود ملفا منفصلا عن باقي عناصر التسوية، بل جزءا من الهندسة العامة لأي اتفاق مستقبلي. فإذا كانت المفاوضات تتجه نحو بحث ترتيبات انتقالية ومؤسساتية وضمانات لتنفيذ الاتفاق، فإن تحديد المجال الترابي الذي ستنطبق عليه هذه الترتيبات سيصبح، بطبيعة الحال، أحد الملفات التي تحتاج إلى معالجة دقيقة وتوافقية.
ومن شأن هذا المعطى أن يمنح الموقف الموريتاني بشأن الحدود أهمية أكبر، ليس بالضرورة باعتباره مقدمة لمطالبة إقليمية جديدة، وإنما باعتباره مؤشرا على رغبة نواكشوط في ضمان أن تؤخذ مصالحها ومخاوفها الأمنية والاقتصادية بعين الاعتبار عند الانتقال إلى مرحلة بحث التفاصيل النهائية للحل.
أما الكويرة، التي عادت إلى الواجهة الإعلامية في أعقاب الحديث عن الحدود، فتظل نقطة ذات حساسية خاصة بسبب موقعها الجغرافي وقربها من نواذيبو، فضلا عن ارتباطها بالتصورات المغربية الخاصة بتطوير الأقاليم الجنوبية وبالواجهة الأطلسية للمملكة. غير أن تحويل هذا الاهتمام إلى موقف موريتاني رسمي من وضع المنطقة يظل سابقا لأوانه ما لم يصدر عن نواكشوط موقف صريح في هذا الاتجاه.
وبذلك، فإن التطور الأبرز الذي كشفه التقرير الأممي لا يتمثل في ظهور مطالبة موريتانية معلنة بالكويرة، وإنما في دخول مسألة تحديد الحدود النهائية والدائمة للإقليم إلى النقاش السياسي الجاري. وهو تطور قد يكتسب وزنا أكبر كلما اقتربت المفاوضات من مرحلة بحث التفاصيل العملية لأي تسوية، خصوصا في ظل سعي الأطراف إلى بناء ترتيبات سياسية وأمنية ومؤسساتية قابلة للتنفيذ.
وفي انتظار ما ستسفر عنه المفاوضات المقبلة، تبدو نواكشوط حريصة على تثبيت مصالحها في أي ترتيبات جديدة قد تنتج عن المسار الأممي، فيما يواصل المغرب الدفع بمقترح الحكم الذاتي باعتباره إطارا للحل، بينما تظل القضايا المرتبطة بالسيادة والحدود وترتيبات الأمن ومستقبل المنطقة من بين الملفات التي تحتاج إلى توافق بين الأطراف قبل الوصول إلى صيغة نهائية للنزاع.
وبالتالي، فإن إعادة الكويرة إلى واجهة النقاش لا تعني، في الوقت الراهن، أن موريتانيا غيرت موقفها أو قررت فتح نزاع جديد حول المنطقة، وإنما تعكس بالأساس حساسية ملف الحدود في مرحلة تشهد إعادة صياغة أجندة المفاوضات، واحتمال انتقالها تدريجيا من النقاش السياسي العام إلى تفاصيل أكثر ارتباطا بالجغرافيا وترتيبات ما بعد التسوية.




