









منتدى أصيلة يحذر من تراجع الدور العربي في النظام الدولي الجديد
الوكالة
2026-10-11

دق سياسيون ودبلوماسيون وأكاديميون ناقوس الخطر بشأن مستقبل العالم العربي في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، محذرين من اتساع هامش التبعية وتراجع قدرة الدول العربية على التأثير في القرارات الإقليمية والدولية، في حال استمرار غياب رؤية مشتركة قادرة على استباق الأزمات وصناعة المبادرات.
وجاءت هذه التحذيرات خلال الجلسة الافتتاحية للندوة الثانية المنظمة في إطار الدورة السابعة والأربعين لموسم أصيلة الثقافي الدولي، التي خصصت لمناقشة مستقبل العالم العربي في أفق 2030، في سياق دولي يتسم بتصاعد الصراعات وتغير موازين القوى وتنامي حالة عدم اليقين.
وأكد المشاركون أن التحديات المطروحة لم تعد تقتصر على تداعيات الأزمات الراهنة، بل ترتبط أيضا بقدرة الدول العربية على فهم التحولات الجارية وتحديد موقعها ضمن التوازنات الجديدة، بدل الاكتفاء بالتفاعل مع قرارات تصاغ خارج المنطقة.
وفي هذا السياق، أثار عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، تساؤلات بشأن القوى التي ستحدد مسارات العالم مستقبلا، في ظل تنامي تأثير وسائل التواصل الاجتماعي وتصاعد دور الحروب في إعادة تشكيل العلاقات الدولية، معبرا عن عدم وضوح الاتجاه الذي ستسلكه هذه التحولات.
واعتبر وهبي أن العالم العربي يواجه مرحلة مفصلية تتغير خلالها موازين القوى بوتيرة متسارعة، وتسقط فيها مسلمات ظلت قائمة لعقود، مشددا على أن امتلاك المبادرة أصبح عاملا حاسما في تحديد خيارات المستقبل. وحذر من أن التأخر في مواكبة الأحداث يضع الدول أمام نتائج تصنعها أطراف أخرى، داعيا إلى تجاوز موقع المتلقي نحو المشاركة الفعلية في صياغة المسارات الإقليمية والدولية.
من جهتها، ربطت سميرة إبراهيم بن رجب، الكاتبة والوزيرة البحرينية السابقة، بين الحرب الدائرة على إيران واحتمالات إعادة تشكيل النظام الإقليمي، معتبرة أن الصراع في الخليج يتقاطع مع أزمات أخرى في المشرق العربي ضمن تحولات أوسع تطال منطقة الشرق الأوسط.
وحذرت بن رجب من أن الأزمات المتلاحقة لم تعد أحداثا ظرفية، بل باتت، وفق قراءتها، عاملا مؤثرا في تفكيك المنطقة العربية، خاصة في ظل ما وصفته بإدارة الفوضى وتوظيفها في فرض موازين جديدة. وشددت على ضرورة الاستعانة بخبرات علمية ومقاربات تحليلية قادرة على تفكيك تعقيدات المرحلة واستشراف تداعياتها.
في المقابل، دعا عبد الرحمن شلقم، وزير الخارجية الليبي السابق، إلى التعامل مع تحديات المستقبل انطلاقا من قراءة واقعية للتاريخ، مؤكدا أن بناء منظومة عربية متماسكة يظل رهينا بوجود دول وطنية تستند إلى مقومات السيادة والديمقراطية والحداثة.
ورفض شلقم اختزال الأزمات العربية في نظرية المؤامرة الخارجية، معتبرا أن جانبا أساسيا من الإشكال يرتبط باستمرار النزعات الماضوية والصراعات الداخلية التي تعرقل بناء المؤسسات وتضعف استقرار المجتمعات العربية، بما يحد من قدرتها على مواجهة التحولات المحيطة بها.
من جانبه، استبعد خميس الجهيناوي، وزير الخارجية التونسي السابق ورئيس المجلس التونسي للعلاقات الدولية، أن يكون ما عرف بـ«الربيع العربي» السبب المباشر في تفجر الأزمات الهيكلية التي تعيشها المنطقة، مرجعا جذورها إلى تراكمات تمتد لنحو سبعة عقود، اتسمت بالعجز عن إرساء إطار مؤسساتي عربي فعال ينظم العلاقات بين الدول ويؤطر تعاونها.
وأوضح الجهيناوي أن حدة الاستقطاب الدولي وتنافس القوى الكبرى على المصالح والنفوذ داخل المنطقة أسهما في تعميق هذه الاختلالات، مؤكدا أن طبيعة العلاقات العربية مع المحيط الإقليمي والدولي تؤثر بشكل مباشر في موقع المنطقة ضمن موازين القوى.
وشدد المسؤول التونسي السابق على أن تجاوز هذه الوضعية يقتضي تقوية مؤسسات الدولة ومواجهة مظاهر الهشاشة، إلى جانب تعزيز العقد الاجتماعي باعتباره ركيزة للاستقرار والتنمية.
بدوره، دعا حسام زكي، الأمين العام المساعد السابق لجامعة الدول العربية، إلى بلورة حد أدنى من التوافق العربي بشأن طبيعة الأزمات القائمة وسبل التعامل معها، معتبرا أن توحيد التشخيص يمثل مدخلا ضروريا لبناء موقف جماعي قادر على مخاطبة القوى الإقليمية والدولية بصوت موحد.
وحذر زكي من أن استمرار الخلافات بشأن أسباب الأزمات وطرق معالجتها سيزيد من استنزاف الموارد البشرية والمادية للدول العربية، ويضعف قدرتها على مواجهة التحديات المشتركة، مؤكدا أن المصالح العربية المشتركة تفرض الانتقال من الخطاب السياسي إلى خيارات عملية تعزز الأمن القومي العربي، مع احترام خصوصية كل دولة واختياراتها.
وتتقاطع مداخلات المشاركين عند إشكالية أساسية تتمثل في قدرة العالم العربي على تجاوز خلافاته البنيوية وبناء آليات فعالة للتنسيق والعمل المشترك، في وقت تتجه فيه العلاقات الدولية نحو إعادة ترتيب مراكز النفوذ. ويظل أفق 2030، وفق النقاشات التي احتضنها منتدى أصيلة، اختبارا لمدى استعداد الدول العربية للانتقال من تدبير الأزمات إلى امتلاك المبادرة والمشاركة في صناعة التحولات المقبلة.




