









منبر جنيف يفضح التناقض بين شعارات الجزائر وحلفائها وواقعهم الحقوقي
الوكالة
2025-09-11

خلال الدورة الستين لمجلس حقوق الإنسان بجنيف، تحولت القاعة الأممية إلى ساحة مكشوفة لانكشاف ازدواجية الخطاب الحقوقي لدى بعض الدول التي حاولت استغلال النقاش لإقحام نزاع الصحراء المغربية. فقد انبرت الجزائر وجنوب إفريقيا وتنزانيا في هجوم منسق ضد الوحدة الترابية للمملكة، متبنية لغة مشبعة بالشعارات والمزاعم، في حين أن واقعها الداخلي يشي بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان تجعل من خطابها مجرد واجهة سياسية بلا سند أخلاقي.
الجزائر، التي جعلت من مهاجمة المغرب عقيدة ثابتة في سياساتها الخارجية، تعيش واحدة من أسوأ الفترات في سجلها الحقوقي. فالمجتمع الدولي لم يعد يتجاهل ما يتعرض له الصحفيون والمعارضون والمدافعون عن حقوق الإنسان من اعتقالات تعسفية ومتابعات قضائية، فضلا عن القيود المفروضة على حرية التعبير والتجمع. التقارير الدولية تتحدث عن أكثر من مائتي ناشط حكم عليهم بأحكام قاسية بسبب مشاركتهم في الحراك الشعبي أو انتقادهم للسلطة، بينما تواصل السلطات الجزائرية إغلاق المجال أمام الجمعيات المستقلة والمنظمات الحقوقية. وإلى جانب ذلك، يظل ملف مخيمات تندوف جرحا مفتوحا في ضمير الإنسانية، حيث يُحتجز آلاف الصحراويين منذ عقود في ظروف لا إنسانية، محرومين من حرية التنقل ومن أبسط حقوقهم الأساسية، في خرق واضح لالتزامات الجزائر بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
جنوب إفريقيا، التي تقدم نفسها كصوت للعدالة وحقوق الإنسان في إفريقيا، تواجه بدورها تحديات خطيرة في مجال احترام الحقوق الأساسية. فرغم ما حققته من انتقال ديمقراطي بعد نهاية نظام الفصل العنصري، إلا أن التقارير الأممية والمنظمات غير الحكومية تشير إلى استمرار مستويات عالية من العنف ضد النساء والأطفال، وارتفاع معدلات الجريمة المنظمة، واستعمال مفرط للقوة من طرف الشرطة. كما سجلت حالات متكررة من الاعتداءات على المهاجرين الأفارقة القادمين من دول الجوار، وهو ما اعتُبر شكلا من أشكال الكراهية والعنف الموجه على أساس الأصل العرقي. هذه الوقائع تضعف من صدقية أي خطاب صادر عن بريتوريا في قاعة جنيف، حينما يتعلق الأمر بمحاضرة الآخرين في مجال حقوق الإنسان.
أما تنزانيا، فقد عرفت خلال السنوات الأخيرة انتقادات واسعة من قبل مجلس حقوق الإنسان نفسه بخصوص تعامل السلطات مع شعب الماساي الأصلي. فقد سجلت حالات تهجير قسري لآلاف العائلات الماساوية من أراضيها التقليدية بذريعة استغلالها في أنشطة سياحية واستثمارية، وهو ما خلف مآسي إنسانية وحرمانا جماعيا من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. كما وُجهت إلى السلطات اتهامات باستخدام العنف المفرط ضد محتجين مدنيين، وتقييد حرية الإعلام والمعارضة السياسية، ما جعل المنظمات الحقوقية الدولية تحذر من تراجع تنزانيا عن التزاماتها الدولية في مجال الحقوق والحريات.
وسط هذه المعطيات الصارخة، برز التناقض الكبير في مداخلات هذه الدول بجنيف، إذ حاولت تقديم نفسها كمدافعة عن القيم الكونية، بينما واقعها الداخلي يعج بالانتهاكات الممنهجة. هذا التناقض لم يفت المشاركين والمتابعين لأشغال المجلس، حيث اصطدمت مزاعمها حول الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية بمعطيات أممية ميدانية أكدت أن الوضع الحقوقي والسياسي في العيون والداخلة يعرف تطورا متواصلا، من خلال وجود مؤسسات منتخبة وفضاءات مفتوحة للنقاش العام وآليات جهوية لحماية الحقوق. كما أن التقارير الأممية الصادرة بانتظام لم تسجل أي من الانتهاكات المزعومة التي حاولت الجزائر وحلفاؤها ترويجها.
لقد تحولت أشغال جنيف إلى مرآة عاكسة تكشف أن من يهاجم المغرب لا يتوفر على المصداقية الكافية لتقديم الدروس، وأن الحملات الموجهة ضد الوحدة الترابية ليست سوى امتداد لرهانات سياسية ضيقة لا علاقة لها بالدفاع الحقيقي عن حقوق الإنسان. المغرب، في المقابل، خرج من هذا النقاش أكثر تماسكا، مدعوما بما تحقق على أرض الواقع في أقاليمه الجنوبية، وبالتزامه المستمر مع المنظومة الأممية في إطار التعاون والشفافية، وهو ما يؤكد أن قضية الصحراء المغربية تظل، في نظر المنتظم الدولي، قضية شرعية تحظى بالاعتراف والاحترام، رغم كل محاولات التشويش القادمة من خصوم فقدوا البوصلة الحقوقية والأخلاقية.




