ماراطون السيـاسيين صـوب زاكورة.. لحصــد الأصوات لا لصناعة التنمية

الوكالة

2026-07-23

محمد البشيري

لم تعد زاكورة، في نظر كثير من المتتبعين، مجرد إقليم يعاني من اختلالات تنموية متراكمة، بل تحولت مع اقتراب الاستحقاقات السياسية إلى محطة تستقطب الوفود الحزبية من مختلف الاتجاهات. الأغلبية الحكومية تحضر بخطابها، والمعارضة تصل بانتقاداتها، والجميع يسابق الزمن نحو الإقليم، في مشهد يطرح سؤالًا مشروعًا: هل الهدف هو صناعة التنمية، أم كسب ثقة الناخبين قبل فتح صناديق الاقتراع؟

إن المتأمل في المشهد يلاحظ أن زاكورة، التي ظلت لسنوات طويلة تشتكي من العطش والهشاشة وضعف الاستثمار، أصبحت فجأة محط اهتمام سياسي غير مسبوق. تتعدد الزيارات، وتتوالى اللقاءات، وترتفع وتيرة التصريحات، بينما يظل المواطن يتساءل عن نصيبه من كل هذا الحراك.

فإذا كانت الحكومة تؤمن بأن زاكورة تستحق التنمية، فلماذا انتظرت كل هذا الوقت حتى تعود إليها؟ وإذا كانت المعارضة مقتنعة بأن الإقليم تعرض للتهميش، فلماذا لم تنجح في تحويل انتقاداتها إلى مبادرات عملية أو مقترحات قادرة على إحداث الفرق؟

المفارقة المؤلمة أن ما يحتاجه الإقليم معروف ولا يحتاج إلى لجان جديدة ولا إلى خطب مطولة. فزاكورة تحتاج إلى الماء قبل الشعارات، وإلى مستشفيات تليق بكرامة المواطنين، ومدارس توفر تكافؤ الفرص، وفرص شغل تحفظ للشباب حقهم في البقاء داخل أرضهم بدل الهجرة بحثًا عن مستقبل مجهول.

كما ينتظر أبناء الإقليم مشاريع كبرى قادرة على كسر العزلة، من خلال تطوير البنيات التحتية، وربط المنطقة بشبكات النقل الحديثة، والتفكير في مشاريع السكك الحديدية، وإنجاز الطريق السيار، وجلب استثمارات صناعية تخلق قيمة مضافة ومناصب شغل حقيقية، بدل الاكتفاء بإعادة تدوير الوعود نفسها في كل محطة سياسية.

ويبقى السؤال الذي لا يمكن القفز عليه: ماذا قدمت الأحزاب التي تعاقبت على تدبير الشأن الحكومي، أو التي تقلدت مسؤوليات التمثيل البرلماني والمحلي بزاكورة، لهذا الإقليم؟ وماذا حقق البرلمانيون الذين حملوا أصوات الساكنة إلى قبة البرلمان؟ وأين هي حصيلة السنوات التي قاد فيها هذا الحزب أو ذاك تدبير الشأن العام؟ سواء تعلق الأمر بحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أو حزب العدالة والتنمية، أو التجمع الوطني للأحرار، أو الحركة الشعبية، وغيرها من الأحزاب التي تداولت على نيل ثقة المواطنين، فإن المعيار الحقيقي ليس لون اللافتة الحزبية، بل حجم الإنجاز الذي بقي أثره في حياة الناس.

فمن حق ساكنة زاكورة أن تتساءل: كم مشروعًا استراتيجيًا تحقق؟ وكم منصب شغل دائم أُحدث؟ وأين هي الاستثمارات الكبرى التي كان من شأنها تغيير الوجه الاقتصادي للإقليم؟ وأين الطريق السيار، والربط السككي، والمناطق الصناعية، والمستشفيات المجهزة، والحلول المستدامة لأزمة الماء، وباقي المشاريع التي طال انتظارها؟ فهذه ليست مطالب ترف، بل حقوق تنموية مشروعة.

إن التنافس الحقيقي بين الأحزاب لا ينبغي أن يكون في قوة الخطب، ولا في عدد التجمعات والزيارات، بل في قوة الحصيلة وصدق الالتزام. أما أن يتحول كل موسم انتخابي إلى سباق محموم نحو أصوات المواطنين، دون تقديم كشف حساب واضح عما تحقق وما تعثر، فذلك يطرح أسئلة عميقة حول معنى المسؤولية السياسية وربط الوعود بالمحاسبة. فالمواطن اليوم لم يعد يصوت للشعارات، بل يبحث عن من يستطيع أن يقنعه بالأفعال، لأن ذاكرة التنمية لا تُكتب بالخطب، وإنما بما يبقى على الأرض بعد أن تنتهي الحملات الانتخابية.

لقد أصبح المواطن أكثر وعيًا من أي وقت مضى. فلم يعد يقيس نجاح المسؤول بعدد الزيارات ولا بعدد المؤتمرات الصحفية، بل بما يتحقق على أرض الواقع. فالخطاب، مهما كان بليغًا، لا يملأ خزانات الماء، ولا يفتح مصنعًا، ولا يعالج مريضًا، ولا يوقف نزيف هجرة الشباب.

ولا يتعلق الأمر بانتقاد طرف سياسي بعينه، لأن المسؤولية في نظر المواطن مشتركة. فالأغلبية مطالبة بالإنجاز لأنها تمتلك سلطة التنفيذ، والمعارضة مطالبة بتقديم البدائل لأنها تدّعي تمثيل صوت المواطنين. أما الاكتفاء بتبادل الاتهامات، فلن يغير شيئًا من واقع الإقليم.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول زاكورة إلى محطة موسمية في أجندة السياسيين؛ تُزار عند الحاجة إلى الأصوات، ثم تُنسى عندما يحين وقت الوفاء بالالتزامات. فالإقليم لا يحتاج إلى سباق نحو منصات الخطابة، بل إلى سباق حقيقي نحو الاستثمار، والتشغيل، وتحسين الخدمات الأساسية.

اليوم، لم يعد أبناء زاكورة يبحثون عن خطابات جديدة، بل عن نتائج ملموسة. يريدون أن يروا المشاريع قبل اللافتات، والإنجازات قبل الشعارات، والقرارات قبل التصفيق. فالتنمية لا تُصنع بالكلمات، ولا تُقاس بعدد الزيارات، بل بما تتركه من أثر في حياة الناس.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه مع كل هذا الحراك السياسي: إذا كان الجميع يتسابق نحو زاكورة طلبًا لثقة الناخبين، فمن سيتسابق بعد الانتخابات لتنفيذ الوعود؟ هناك فقط، سيعرف المواطن من جاء إلى الإقليم وهو يحمل مشروعًا تنمويًا حقيقيًا، ومن جاء فقط بحثًا عن الأصوات. فزاكورة لم تعد تحتاج إلى مزيد من الخطب، بل إلى مسؤولين يتركون وراءهم أثرًا يُقاس بالإنجازات لا بالشعارات، لأن ذاكرة المواطنين أصبحت أقوى من أي حملة انتخابية، والتاريخ لا يكتب أسماء من وعدوا، بل أسماء من أوفوا.

تصنيفات