قراءة أولية في التشكيلة الحكومية الجديدة

الوكالة

2026-10-17

محمد نشوان

لم يعد الإعلان عن تشكيلة حكومية جديدة مجرد محطة دستورية وسياسية عابرة، بل أصبح مناسبة لطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة المرحلة المقبلة، وحدود التغيير المنتظر، ومدى قدرة النخب السياسية على تحويل الوعود الانتخابية إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين.
ومع الإعلان، يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، عن أعضاء الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، يدخل المغرب مرحلة سياسية جديدة تحمل أكثر من دلالة، سواء من حيث رمزية تولي امرأة رئاسة الحكومة للمرة الأولى، أو من حيث طبيعة التحالف الحزبي الذي أفرزته الاستحقاقات التشريعية الأخيرة، أو من حيث الاختيارات التي شملت عددا من القطاعات الحكومية الأساسية.

و يشكل تعيين فاطمة الزهراء المنصوري على رأس الحكومة أبرز عناوين هذه المرحلة، ليس فقط باعتبارها أول امرأة تتولى هذا المنصب في المغرب، وإنما أيضا بالنظر إلى حجم الانتظارات المرتبطة بالقيادة الجديدة، في سياق اجتماعي واقتصادي لا يحتمل المزيد من التأجيل.
غير أن القيمة الرمزية لهذا التعيين، على أهميتها، لن تكون كافية وحدها للحكم على نجاح التجربة. فالمعيار الحقيقي سيظل مرتبطا بقدرة رئيسة الحكومة على قيادة فريق منسجم، وضمان التنسيق بين مكوناته السياسية، وترتيب الأولويات وفق حاجيات المجتمع، بعيدا عن الحسابات الحزبية الضيقة أو منطق توزيع المسؤوليات.
فالمواطن لا ينتظر فقط أن تتغير الوجوه في مراكز القرار، بل يتطلع إلى أن يلمس أثر ذلك في قدرته الشرائية، وفي فرص الشغل المتاحة أمام الشباب، وفي جودة المدرسة العمومية والخدمات الصحية، وفي محاربة الفوارق الاجتماعية والمجالية.

و تكشف القراءة الأولية للتشكيلة الجديدة عن مزيج من الاستمرارية والتغيير، إذ احتفظت بعض القطاعات بأسماء سبق لها تحمل المسؤولية الحكومية، بينما شهدت قطاعات أخرى تعيينات جديدة، من بينها الاقتصاد والمالية، والتربية الوطنية، والصحة، والطاقة.
ويبرز تعيين فوزي لقجع على رأس وزارة الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، ونبيل بنعبد الله في قطاع التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، ويونس بجيجو في وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، ضمن أبرز الاختيارات التي ستخضع لتقييم الرأي العام خلال المرحلة المقبلة.
كما أن الإبقاء على عدد من الوزراء في قطاعات استراتيجية يعكس توجها نحو الحفاظ على الاستمرارية في بعض الملفات، غير أن الاستمرارية لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتكرار الأساليب نفسها أو تأجيل معالجة الاختلالات التي راكمتها السياسات العمومية.
فالتغيير الحقيقي لا يقاس بعدد الوزراء الجدد أو القدامى، وإنما بمدى وضوح المسؤوليات، ونجاعة التدبير، والقدرة على اتخاذ القرارات التي تستجيب للمصلحة العامة.
و تستند الحكومة الجديدة إلى أغلبية مكونة من أربعة أحزاب، هي الأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية، وهي أغلبية تتوفر على قاعدة برلمانية مريحة من الناحية العددية.
لكن التجربة السياسية تؤكد أن قوة الأغلبية لا تقاس فقط بعدد المقاعد التي تتوفر عليها، بل بقدرتها على إنتاج برنامج حكومي واضح، وتدبير الاختلافات بين مكوناتها، وتحويل التوافق السياسي إلى قرارات عملية.
والتحدي المطروح أمام هذه الأغلبية هو إثبات أن تعدد المرجعيات الحزبية يمكن أن يشكل مصدر غنى وتكامل، لا سببا في تضارب الأولويات أو تبادل المسؤوليات عند مواجهة الإخفاقات.
ومن هنا تبرز أهمية البرنامج الحكومي المرتقب، باعتباره الوثيقة التي ستكشف مدى قدرة مكونات الأغلبية على الاتفاق حول أولويات واضحة، قابلة للتنفيذ والقياس والتقييم.

فإذا كان تشكيل الحكومة يطوي مرحلة من المشاورات السياسية، فإنه يفتح في المقابل مرحلة أكثر صعوبة، عنوانها التدبير اليومي لانتظارات المواطنين.

فملفات التشغيل، وغلاء المعيشة، وتحسين الدخل، وتوسيع فرص الاستثمار، ودعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتقليص الفوارق بين المدن والمناطق القروية، ستظل في صلب الاختبار السياسي والاجتماعي للحكومة الجديدة.

ولا يقل قطاعا التعليم والصحة أهمية عن الملف الاقتصادي، بالنظر إلى ارتباطهما المباشر بالأمن الاجتماعي وتكافؤ الفرص. فإصلاح المدرسة العمومية لا يمكن أن يختزل في تغيير البرامج أو إطلاق المبادرات، كما أن إصلاح الصحة لا يقاس بعدد المشاريع المعلنة، بل بمدى استفادة المواطن من العلاج في ظروف تحفظ كرامته وتضمن حقه في خدمات جيدة.

أما الشباب، الذين يتطلعون إلى فرص حقيقية للإدماج الاقتصادي والاجتماعي، فيحتاجون إلى سياسات تمنحهم الأمل في المستقبل، وتفتح أمامهم أبواب المشاركة والإنتاج والمبادرة، بدل تركهم أسرى الانتظار أو دفعهم إلى البحث عن فرص خارج الوطن.

و تواجه الحكومة الجديدة أيضا مسؤولية مواصلة الاستعدادات لتنظيم كأس العالم 2030، في إطار مشترك مع إسبانيا والبرتغال، وهو مشروع استراتيجي يتيح للمغرب فرصا مهمة لتطوير البنيات التحتية والنقل والخدمات والسياحة.

غير أن الرهان لا ينبغي أن ينحصر في إنجاز المنشآت الرياضية أو تحسين الصورة الخارجية للمملكة، بل يتعين أن يمتد إلى ضمان استفادة المواطنين من آثار هذه الاستثمارات، من خلال خلق فرص الشغل، وتحسين التجهيزات العمومية، وتطوير المدن، وتحقيق تنمية أكثر توازنا بين مختلف الجهات.

فنجاح هذا الموعد الدولي لن يقاس فقط بما ستقدمه الملاعب من صور مبهرة، وإنما أيضا بما سيتركه من إرث تنموي واقتصادي واجتماعي مستدام.

إن القراءة الأولية للتشكيلة الحكومية الجديدة تظل قراءة في الأسماء والتوازنات والإشارات السياسية، ولا يمكن أن تتحول إلى حكم نهائي قبل ظهور البرنامج الحكومي، وتحديد أولوياته، والشروع في تنفيذ التزاماته.

ومع ذلك، فإن الرسالة الأهم التي ينبغي أن تستوعبها الحكومة منذ يومها الأول هي أن هامش الانتظار لدى المواطنين أصبح محدودا، وأن الثقة في المؤسسات لا تتعزز بالخطابات وحدها، بل بالوضوح والإنجاز والقدرة على الاعتراف بالاختلالات وتصحيحها.

كما أن نجاح التجربة الجديدة يقتضي ترسيخ ثقافة ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتقديم حصيلة دورية للرأي العام، وتوضيح ما تحقق وما تعثر وأسباب ذلك، حتى لا تظل البرامج الحكومية مجرد وثائق سياسية سرعان ما تتراجع أمام إكراهات التدبير اليومي.

خلاصة القول، إن الحكومة الجديدة لا تبدأ من صفحة بيضاء، بل ترث ملفات معقدة وانتظارات متراكمة وتحديات اقتصادية واجتماعية متشابكة. ولذلك، فإن الرهان الحقيقي ليس في تغيير عنوان المرحلة أو أسماء المسؤولين، وإنما في تغيير واقع يطمح المواطن المغربي إلى أن يكون أكثر إنصافا وكرامة واستقرارا.

فهل تنجح حكومة فاطمة الزهراء المنصوري في تحويل رمزية التغيير إلى تحول ملموس في حياة المغاربة؟ وحده الأداء، وما ستكشف عنه الأيام المقبلة من قرارات ونتائج، كفيل بالإجابة عن هذا السؤال.

تصنيفات