









سركلاج صراع الذوات بين المقص وآلة الخياطة
الوكالة
2026-10-20

قدمت مسرحية سركلاج من تأليف أيمن محمد طراوا وإخراج ربيع بن جحيل التدلاوي بمسرح إسبانيول بالرباط ضمن فعاليات الدورة السادسة والعشرين للمهرجان الوطني للمسرح عرضا يحفر عميقا في تناقضات الذات الإنسانية عبر ثنائية رمزية قوية تجمع بين القطع والترميم.

المسرحية التي أدت أدوارها باقتدار الممثلات ساندية تاج الدين وريم مرمري إلى جانب الممثل سعد موفق لا تنشغل برسم علاقات عائلية نمطية بل تغوص في شبكة معقدة من التوترات النفسية والاجتماعية حيث تتداخل الذاكرة بالرغبة والمسؤولية بالذنب والحاجة إلى الاحتواء بالسعي إلى التحرر.
وتبرز شخصية حليمة كمحور درامي تتحمل عبء الحفاظ على تماسك الأسرة وسط تناقضات سلمى وعزيز وضغوط المحيط الاجتماعي لتتجاوز دورها الأسري وتتحول إلى مرآة لواقع يحمل المرأة وحدها مسؤولية لملمة الشتات حتى وهي في أمس الحاجة إلى من يحتويها وتتأرجح سيكولوجيا بين خوف الانهيار ورغبة الحماية بين واجب المسؤولية وما تخفيه من تعب وانكسار في تجسيد واضح لامرأة محاصرة بتوقعات البيت والمجتمع مطالبة بترميم ما يقطعه الآخرون في مفارقة تجعلها تجمع الشظايا دون أن تتمكن من إيقاف المقص.
في المقابل تقدم سلمى نموذجا للرغبة في التحرر من سلطة الذاكرة ومن الأدوار التي يفرضها الماضي وتعيش صراعا مزدوجا بين الانتماء والانفصال النفسي عن الأسرة وبين رفض الإرث العاطفي والاجتماعي والخوف من إعادة إنتاجه ليكشف تناقضها أن سعيها إلى القطع ليس تمردا مجانيا بل محاولة لاستعادة الذات والخروج من جرح لم تختره مع إدراك أن التحرر لا يلغي الأثر.
أما شخصية عزيز فتكشف ازدواجية المعايير الاجتماعية في الحكم على الرجل والمرأة أمام الخطأ ذاته وتنقل الصراع من بعده العائلي إلى مساءلة منظومة تمنح الرجل مساحة أوسع للتبرير بينما تحاصر المرأة بأحكام أخلاقية قاسية ليجسد التناقض الصارخ بين القيم المعلنة والممارسات الفعلية.
دراماتورجيا تتشكل العلاقة بين الشخوص الثلاثة من خلال تصادم ثلاث قوى هي مسؤولية الحفاظ على البيت والرغبة في التحرر من الماضي وسلطة المعايير الاجتماعية ليتحول البيت من فضاء للانتماء إلى مجال للاختبار النفسي والاجتماعي وتصبح الشخصيات محكومة بتناقضاتها بقدر محاولتها مواجهتها.
وترتكز المسرحية رمزيا على ثنائية المقص وآلة الخياطة فالمقص يقطع والآلة تحاول الترميم لكن الخياطة لا تمحو أثر القطع لتتجاوز بذلك سؤال المخطئ والمصيب وتطرح إشكالية أعمق حول من يتحمل عبء ترميم ما أفسدته تناقضات الآخرين وهل تستطيع حليمة إنقاذ البيت دون أن تفقد ذاتها وهل تتحرر سلمى دون أن تبقى أسيرة آثار الماضي وهل يواجه عزيز تناقضاته بعيدا عن الاحتماء بأحكام المجتمع.
وتكمن قوة سركلاج في تقديمها ذواتا مأزومة لا شخصيات مثالية أو شريرة تتنازعها الرغبة والخوف والمسؤولية والضغط الاجتماعي مع تحويل هذه الصراعات الداخلية إلى علامات مرئية على الخشبة يصبح فيها الجسد والصمت والانفعال أدوات لكشف المسكوت عنه.
وينجح العرض نقديا في تحويل التناقضات الفردية إلى مساءلة للشروط النفسية والاجتماعية المنتجة لها ويجعل من ثنائية القطع والترميم بنية رمزية تتجاوز دلالتها المادية إلى مساءلة هشاشة العلاقات الإنسانية ليؤكد أن المقص لا ينهي الصراع وأن الخياطة لا تمحو الندوب فقد يستعيد البيت تماسكه الظاهري بينما تظل الذوات أسيرة شروخها الداخلية في مفارقة تختزل روح العرض بأنه ليس كل ما يرمم يشفى وليس كل ما يبقى قائما ينجو من الانكسار.




