









زاكورة: الدلاح خارج السيطرة بالفايجة.. والفرشة المائية تنزف أمام أعين السلطات
الوكالة
2026-01-09

محمد البشيـري
رغم القرارات العاملية الصارمة، والدوريات الوزارية المتتالية، والاجتماعات الإقليمية التي عُقدت طيلة السنوات الثلاث الماضية، عادت زراعة البطيخ الأحمر لتتمدّد من جديد في الجنوب الشرقي للمغرب، في مشهد لا يمكن قراءته إلا باعتباره فشلاً واضحاً في فرض القرار العمومي، وعجزاً مقلقاً عن حماية مورد مائي استراتيجي بات يهدد الاستقرار الاجتماعي نفسه.
في إقليم زاكورة والضواحي، وتحديداً بمنطقة الفايجة والنواحي التابعة إدارياً لقيادة وجماعة ترناتة، إلى جانب جماعات تاكونيت بمنطقة تافراوت، وتمكروت بمنطقة أنكّام، وكتاوة بمنطقة ميرد، والروحا بمنطقة بن دلالة، وتاغبالت بمنطقة مين وسيف، تتجلّى المفارقة بأقصى درجاتها. قرارات المنع قائمة، ومحاضر الاجتماعات رسمية وموقّعة، والخطاب الرسمي يحذّر من استنزاف الفرشة الجوفية، غير أن الواقع الميداني يسير في اتجاه معاكس تماماً: زراعة الدلاح مستمرة، الضيعات تتوسع، الثقوب المائية تُحفر، والمضخات تشتغل ليل نهار و بلا انقطاع، في وقت تعاني فيه الساكنة، خاصة خلال فصل الصيف، من خصاص حاد في الماء الصالح للشرب.
الدلاح هنا لا يزرع فقط، بل يتمرّد علناً على قرارات المنع، ويختبر حدود سلطة الدولة وهيبة القانون بالاقليم . فحين تُحفر الآبار جهاراً، وتُزرع الهكتارات خارج أي ترخيص، ويُستنزف الماء في عز الندرة دون خوف أو محاسبة، فإن السؤال لم يعد بيئياً ولا فلاحياً، بل سيادياً بامتياز: هل فشلت الدولة فعلاً في كبح زراعة الدلاح بزاكورة، أم أن القرار العمومي يُترك معطّلاً، في انتظار أن تجف الفرشة المائية ويُفرض الأمر الواقع على الجميع؟
وخلال زيارة “طاقم الوكالة ” للمنطقة و بعد تعمقنا في المشهد واستفسارنا لمصادر
محلية سواء من الفلاحين او التجار ، جاءت الأجوبة صادمة. فقد تحدث البعض بكل عفوية عن “أمور أخرى في الكواليس”، بينما أشار آخرون إلى تسعيرة غير رسمية تتراوح بين خمسة آلاف وعشرة آلاف درهم و اكثر..!! لتجاوز مساحة الهكتار الواحد، مقابل غض الطرف. مصدر فضّل عدم ذكر اسمه أكد للجريدة أن عامل عمالة زاكورة السيد ” علمي ودان “والمعين حديثا لا علم له بهذه التجاوزات، و لن يقبلها ابدا ؟! ما يطرح علامات استفهام كبيرة حول من يتحمل المسؤولية في هذا الخرق الصارخ للقانون.
وفيما يفسر البعض هذه التناقضات بضعف المراقبة وغياب الصرامة، يرجّح آخرون ممن التقتهم الجريدة أن وراء الاستثناءات المتكررة شبهة “إكراميات” تقدم في الخفاء، وفق قاعدة يعرفها المغاربة جيداً: “دهن السير يسير”. وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول مدى نزاهة بعض التدخلات وحقيقة الإرادة في فرض القانون على الجميع دون تمييز.
هذا التناقض دفع بعض المتتبعين محلياً إلى التعبير بسخرية مُرّة بالقول إن زاكورة “لا تتوفر على لجن للمراقبة، بل على لجن لغضّ البصر”. عبارة وإن قيلت على سبيل المزاح، فإنها تعكس شعوراً متنامياً بأن الخروقات معروفة ومرئية، لكنها لا تُواجَه بما يفرضه القانون من حزم وتدخل.
ما يقع بالفايجة و غيرها من الجماعات السالفة الذكر لا يتعلق بنشاط فلاحي عادي، بل بزراعة الدلاح في وضعية انفلات قانوني. فقرار المنع، الذي كان يُفترض أن يشكّل أداة لحماية الفرشة المائية، تحوّل عملياً إلى إجراء فاقد للأثر، يُطبَّق بانتقائية: تضييق على فلاحين صغار، مقابل تساهل واضح مع ضيعات كبرى تابعة لمستثمرين وتجار، تزرع مساحات شاسعة تتجاوز بكثير الهكتار الواحد الذي تم اعتماده سابقاً كحل مؤقت ومشروط.
المعطيات الميدانية تشير إلى ضيعات تمتد من هكتار واحد إلى سبعة هكتارات وأكثر، مع اعتماد مكثف على الضخ من الفرشة الجوفية، في مجال يعاني أصلاً هشاشة مائية بنيوية. الأخطر من ذلك هو استمرار الترامي على أراضي الجماعات السلالية واستغلالها في زراعة الدلاح، خاصة بمنطقة الفايجة (حذب الشيباني وغيرها من الأراضي)، في ظل ما يشبه سباقاً غير معلن تقوده شبكات منظمة، دون تدخل حازم يضع حداً لهذا النزيف القانوني والمائي.
ومن الناحية القانونية، فإن زراعة البطيخ الأحمر في مناطق العجز المائي تُعد خرقاً صريحاً لمقتضيات قانون الماء رقم 36.15، الذي يجرّم الاستغلال غير المرخّص للموارد المائية، ويحظر حفر واستعمال الثقوب المائية دون ترخيص مسبق، كما يُحمّل السلطات المختصة مسؤولية المراقبة والزجر. وتكتسي القرارات العاملية الصادرة في هذا الإطار طابعاً إلزامياً، يُفترض أن يُطبّق على الجميع دون استثناء، تحت طائلة المتابعة الإدارية والجزائية، بما في ذلك إتلاف المزروعات المخالفة وحجز وسائل الضخ غير القانونية.
وفي مقابل هذا الوضع بزاكورة، تبرز تجربة إقليم طاطا كنموذج مغاير. هناك، تم تفعيل قرار عاملي بمنع زراعة الدلاح بشكل فعلي، مع إتلاف المحاصيل المخالفة، وربط صارم بين الترخيص واحترام دفتر التحملات، وتحديد المساحة في هكتار واحد لا غير. هذا التفاوت يطرح سؤالاً مشروعاً حول وحدة تطبيق القرار العمومي، وحول أسباب التساهل في زاكورة مقارنة بأقاليم مجاورة تعيش نفس الإكراهات المناخية والمائية.
إن استمرار زراعة الدلاح بهذه الطريقة في الفايجة وترناتة و غيرها من الجماعات بالاقليم لا يشكل فقط خطراً بيئياً، بل تهديداً مباشراً للأمن الاجتماعي. فالماء هنا ليس ملفاً تقنياً، بل حق أساسي، وأي استنزاف غير مضبوط له ينعكس مباشرة على الساكنة، وعلى الثقة في المؤسسات، وعلى مستقبل المجال.
ومن هذا المنطلق، يوجّه هذا التحقيق رسالة واضحة إلى السيد ” علمي ودان ” ، عامل إقليم زاكورة الجديد: ملف زراعة الدلاح واستنزاف الفرشة المائية بلغ مستوى لا يحتمل مزيداً من التساهل. إن زيارة ميدانية عاجلة لمناطق الفايجة والنواحي، ولمختلف الجماعات المعنية، باتت ضرورة ملحّة للوقوف المباشر على حجم الخروقات، وتحديد المسؤوليات، ووقف هذا النزيف المتواصل، مع تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، سواء تعلق الأمر بالمستثمرين والتجار أو بأي تقصير أو تغاضٍ محتمل من طرف السلطات المعنية.
كما أن خطورة الوضع تستدعي انخراطاً مباشراً لوزارة الداخلية ووزارة التجهيز والماء، عبر فتح تحقيق إداري وتقني جدي، يحدد مكامن الخلل ومسؤوليات المتدخلين، ويعيد الاعتبار لهيبة القرار العمومي في مجال حيوي وحساس.
فشل الدولة في كبح زراعة الدلاح لا يُقاس بعدد الاجتماعات أو البلاغات، بل بمدى حضورها الفعلي على الأرض. والسؤال المطروح اليوم، بوضوح ودون مجاملة: هل نحن أمام قرارات لم تُفعّل، أم أمام إرادة غائبة لغضّ البصر عن خروقات معروفة؟
والتزامًا بمبدأ المصداقية والشفافية والحياد، بعيدًا عن أي مغالطات، يبقى موقعنا و في إطار الحياد الاعلامي المشروط مفتوحًا للجميع من أجل الرد أو التصحيح أو التوضيح، احترامًا لكل الآراء، ومحاولة لكشف الحقائق بدون زيادة أو نقصان.
وستبقى الوكالة تتابع الملف عن كثب، لترصد أدق تفاصيله وتنقلها للرأي العام بكل مسؤولية وحياد. وسنعود إليه في قادم الأيام بمزيد من المعطيات الدقيقة.. فانتظرونا.




