تقرير غوتيريش يكشف تفاصيل المفاوضات

الوكالة

2026-10-04

كشف التقرير الأخير للأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بشأن الصحراء المغربية، عن تفاصيل جديدة حول مسار المفاوضات التي جمعت، خلال الأشهر الأولى من سنة 2026، المغرب والبوليساريو بمشاركة الجزائر وموريتانيا، مؤكدا أن قرار مجلس الأمن رقم 2797 أعطى زخما جديدا للعملية السياسية، ومهد لعقد ثلاث جولات مباشرة من المفاوضات، للمرة الأولى منذ نحو سبع سنوات.

وأوضح التقرير، الموجه إلى أعضاء مجلس الأمن في فاتح أكتوبر 2026، أن المباحثات لم تقتصر على مناقشة مقترحات التسوية السياسية، بل امتدت إلى بحث ترتيبات مرتبطة بمرحلة انتقالية محتملة، من بينها فكرة إنشاء «مجلس انتقالي»، وإعداد مشروع اتفاق إطاري يمكن أن يشكل أرضية لمفاوضات لاحقة حول تفاصيل الحل.

وحسب الوثيقة الأممية، جرت الجولات الثلاث بتيسير مشترك من المبعوث الشخصي للأمين العام إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا، والولايات المتحدة الأمريكية. وترأس دي ميستورا هذه الاجتماعات إلى جانب الممثل الدائم للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، مايكل والتز، وبدعم من المستشار الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس.

وشارك المغرب والجزائر وموريتانيا في هذه المفاوضات على مستوى وزراء الخارجية، في حين مثل البوليساريو مسؤول عن سياستها الخارجية. واتخذت المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساسا للمباحثات، في إطار المساعي الرامية إلى إيجاد تسوية سياسية للنزاع.

وبحسب التقرير، أعد المغرب «مشروع نظام أساسي للحكم الذاتي»، يتضمن تفصيلا لمبادرته التي قدمها سنة 2007، وشارك هذه الوثيقة، في يناير 2026، مع الرئيسين المشاركين في المفاوضات وباقي الأطراف المشاركة فيها. غير أن التقرير أوضح أن الوثيقة لم تعمم على نطاق واسع، باعتبارها أرضية للتفاوض وليست اتفاقا نهائيا أو صيغة نهائية للتسوية.

وفي المقابل، أشار التقرير إلى أن البوليساريو قدمت إلى الأمين العام للأمم المتحدة، في 20 أكتوبر 2025، مقترحا موسعا يتضمن تصورا لما وصفته بـ«ضمانات ما بعد الاستفتاء». وجرى تعميم هذه الوثيقة على أعضاء مجلس الأمن بناء على طلب الجبهة، تحت الرمز S/2025/664.

وانطلقت الجولة الأولى من المفاوضات في واشنطن يومي 18 و19 يناير 2026، حيث عرض المغرب النسخة الموسعة من مبادرة الحكم الذاتي، وأبدى استعداده للتفاوض مع البوليساريو حول حل يكون مقبولا من الطرفين وقابلا للتنفيذ، على أن تكون نتيجته ثمرة عمل تفاوضي مشترك.

وفي المقابل، قدمت البوليساريو خلال الجولة نفسها أفكارا استنادا إلى مقترحها الموسع، لتنتقل المفاوضات في الجولة الثانية إلى البحث في ترتيبات أكثر تفصيلا مرتبطة بإمكانية تنفيذ تسوية سياسية.

واحتضنت مدريد الجولة الثانية يومي 8 و9 فبراير، وشهدت، وفق التقرير الأممي، مناقشة فكرة إنشاء «مجلس انتقالي»، يتولى إدارة العمليات المرتبطة بمرحلة انتقالية محتملة، ويشكل في الوقت نفسه إطارا للتفاوض بشأن تفاصيل حل وصفه التقرير بأنه «عادل ودائم ومقبول من الطرفين».

ويحرص التقرير على عدم تقديم هذه الفكرة باعتبارها اتفاقا تم التوصل إليه، إذ يشير إلى أن «المجلس الانتقالي» كان موضوعا للنقاش بين الأطراف، من دون الإعلان عن اتفاق نهائي بشأن تشكيله أو طبيعة اختصاصاته.

ولم تتوقف مباحثات مدريد عند الجانب المؤسساتي للمرحلة الانتقالية، بل شملت مجموعة من القضايا المرتبطة بتنفيذ أي تسوية مستقبلية، من بينها دور الجهات الدولية، وضمانات التنفيذ، وآليات تقاسم الموارد.

كما تناولت المباحثات ملفات شديدة الحساسية، من قبيل العفو والمصالحة، ونزع السلاح، والتسريح وإعادة الإدماج، فضلا عن الترتيبات الأمنية والنظم الانتخابية التي قد تكون جزءا من أي ترتيبات انتقالية أو سياسية يتم الاتفاق عليها.

وفي خضم هذه المناقشات، طرحت موريتانيا مسألة الحدود، إذ شددت، وفق التقرير، على ضرورة تشكيل لجنة تتولى توضيح الحدود الدولية النهائية والدائمة للإقليم موضوع النزاع، على أساس توافقي. وأدرج التقرير هذا الملف ضمن القضايا التي طُرحت في سياق البحث عن ترتيبات للمرحلة الانتقالية.

وبناء على طلب المشاركين في المفاوضات، شرع فريقان تابعان للأمم المتحدة والولايات المتحدة في إعداد مشروع أولي لاتفاق إطاري بشأن مرحلة انتقالية محتملة. وكان الهدف من هذه الوثيقة توفير إطار يمكن أن تستند إليه المفاوضات بشأن تفاصيل التسوية، من دون أن يعني ذلك التوصل إلى اتفاق نهائي بين الأطراف.

وعادت الوفود إلى واشنطن يومي 23 و24 فبراير لعقد الجولة الثالثة من المفاوضات، التي شهدت، حسب تقرير غوتيريش، مناقشة معمقة لمسألة «المجلس الانتقالي»، في امتداد للنقاش الذي بدأ خلال الجولة التي احتضنتها مدريد.

وخلال هذه الجولة، اتجه النقاش أيضا إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية في النزاع، وهي مسألتا تقرير المصير والسيادة. ووفق التقرير، شكلت هاتان المسألتان من بين أكثر عناصر التسوية إثارة للخلاف بين الأطراف المشاركة.

وفي هذا السياق، شدد دي ميستورا على أن أي تصور للحكم الذاتي ينبغي أن يستوفي أعلى المعايير الدولية، وأن الانتقال إلى هذا النموذج ينبغي أن تدعمه ضمانات دولية قوية، بما يضمن تنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه.

وبعد اختتام الجولات الثلاث، واصل المبعوث الشخصي للأمين العام اتصالاته مع الأطراف المعنية، في محاولة للحفاظ على زخم العملية السياسية. وسجل التقرير أن المشاركين جددوا التزامهم بالمسار السياسي، غير أنه أشار في الوقت نفسه إلى استمرار أزمة الثقة، خصوصا بين المغرب والبوليساريو، باعتبارها إحدى العقبات الرئيسية أمام إحراز تقدم أكبر.

وفي إطار مواصلة التحضير للمرحلة المقبلة، أعد دي ميستورا مشروعا منقحا لاتفاق إطاري، من شأنه، بحسب التقرير، أن يوفر أساسا للتفاوض حول نموذج مفصل للحكم الذاتي.

وتأتي هذه التطورات في سياق سياسي أعاد فيه قرار مجلس الأمن رقم 2797 الدفع بالمسار التفاوضي إلى الواجهة، بعدما ظلت العملية السياسية تواجه صعوبات حالت دون عقد مفاوضات مباشرة بهذا المستوى لسنوات.

وفي توصياته، دعا غوتيريش إلى مواصلة مفاوضات منسقة وبحسن نية، بهدف استكشاف إمكانية تحقيق حكم ذاتي حقيقي، مع إخضاع أي مقترح نهائي لتشاور هادف يتيح للصحراويين ممارسة الاختيار الطوعي بين قبوله ورفضه.

كما دعا الأمين العام إلى تعزيز الانخراط الدولي في العملية السياسية، بما يضمن تنفيذ الاتفاقات التي يمكن التوصل إليها وفقا للقانون الدولي، مع توفير الضمانات اللازمة لمواكبة أي انتقال سياسي محتمل.

ورغم استمرار الأعمال العدائية منخفضة الحدة وما تسببه من تأثير على مستوى الثقة بين الأطراف، خلص غوتيريش إلى أن فرص إحراز تقدم ملموس نحو تسوية النزاع لا تزال قائمة، داعيا الأطراف إلى استثمار الزخم الذي أعادته المفاوضات الأخيرة والعمل على إعادة إرساء وقف إطلاق النار.

وفي السياق نفسه، أوصى الأمين العام بتمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء «مينورسو» سنة إضافية، إلى غاية 31 أكتوبر 2027، مع مراعاة التطورات التي ستشهدها العملية السياسية خلال الفترة المقبلة.

ويكشف التقرير، في المحصلة، أن المفاوضات التي جرت خلال الربع الأول من 2026 تجاوزت، في بعض جوانبها، مجرد تبادل المواقف بشأن مقترحات التسوية، لتدخل في مناقشة ترتيبات عملية ومؤسساتية مرتبطة بإمكانية الانتقال إلى حل سياسي، من بينها «المجلس الانتقالي» والاتفاق الإطاري وضمانات التنفيذ. غير أن هذه العناصر تظل، وفق صياغة التقرير الأممي، مواضيع للتفاوض ولم تتحول بعد إلى اتفاقات نهائية ملزمة بين الأطراف.

تصنيفات