تقارب الرياض وأبوظبي يربك حسابات الجزائر

الوكالة

2026-10-13

تواجه الجزائر اختبارا دبلوماسيا جديدا مع بروز مؤشرات على تقارب سعودي إماراتي، في وقت اختارت فيه قطع علاقاتها مع أبوظبي والتشديد على رفض التراجع عن قرارها. وتضع هذه التطورات رهانات الجزائر على توظيف الخلافات الخليجية في مواجهة الإمارات أمام واقع مغاير، قد يحد من هامش تحركها الإقليمي ويضع علاقاتها مع الرياض أمام معادلة أكثر تعقيدا.

وتزامنت التحركات السعودية الإماراتية الأخيرة مع تصعيد الجزائر موقفها تجاه أبوظبي، في مسار بدا متناقضا مع توجه الرياض نحو احتواء خلافاتها مع شريكتها الخليجية. كما أعادت هذه المستجدات طرح تساؤلات بشأن مدى قدرة الجزائر على الاستفادة من التوترات السابقة بين البلدين، خصوصا بعد أن رافق خطابها المعادي للإمارات إبراز متانة علاقاتها بالسعودية.

وأعلنت الجزائر، خلال الأسابيع الماضية، قطع علاقاتها مع الإمارات، مبررة قرارها بما وصفته بتصرفات استفزازية وعدائية. كما أمهلت السفير الإماراتي 48 ساعة لمغادرة أراضيها، قبل أن تعلن إغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات الإماراتية، مع استثناء الرحلات التجارية من وإلى مطار هواري بومدين إلى نهاية 2026.

وفي مطلع أكتوبر الجاري، أكد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون تمسك بلاده بقرار القطيعة، معتبرا أن الموقف يرتبط بالدفاع عن سيادة الجزائر. غير أن التطورات اللاحقة كشفت عن توجه سعودي مختلف، إذ لم تتأخر الرياض في مواصلة التنسيق مع أبوظبي، رغم حدة الخلافات التي طبعت علاقات الطرفين خلال الفترة الماضية.

وبعد ثلاثة أيام من إعلان الجزائر قطع علاقاتها مع الإمارات، بحث وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان، في اتصال هاتفي مع نائب رئيس مجلس الوزراء الإماراتي عبد الله بن زايد، مستجدات الأوضاع الإقليمية، مع التأكيد على مواصلة التشاور وتنسيق المواقف وتعزيز العمل الخليجي المشترك.

وتعززت هذه المؤشرات بزيارة نائب رئيس دولة الإمارات منصور بن زايد إلى الرياض، حيث التقى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، في خطوة حملت دلالات سياسية بشأن استعداد الطرفين لتجاوز الخلافات وإعادة تنشيط قنوات التواصل على أعلى المستويات.

ولم يقتصر التقارب على الاتصالات السياسية، بل امتد، وفق المعطيات الواردة بشأن التطورات الميدانية في اليمن، إلى تنسيق بين قوات مرتبطة بالإمارات وأخرى مدعومة من السعودية، في عمليات قرب باب المندب. ويعكس هذا المسار توجها نحو تغليب الاعتبارات الأمنية المشتركة، رغم استمرار الخلافات بشأن النفوذ ومستقبل القوى المحلية في جنوب اليمن.

ومع تعرض مطار الملك خالد لهجمات خلال الأيام الأخيرة، سارعت الإمارات إلى التعبير عن تضامنها مع السعودية. كما دعا أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، الاثنين، إلى إحياء العمل الخليجي المشترك في مجالي الأمن والدفاع، مشددا على أن استهداف المملكة يمس أمن الإمارات وبقية دول الخليج.

وتأتي هذه التطورات في وقت رافق فيه قرار القطيعة الجزائرية تصعيد إعلامي ضد أبوظبي، تجاوز عرض المبررات الرسمية إلى اتهام الإمارات بالتدخل في شؤون دول المنطقة وتأجيج الأزمات. وفي هذا السياق، نشرت وكالة الأنباء الجزائرية مادة بعنوان «سياسات متهورة ومخططات دنيئة تسير بالإمارات نحو عزلة إقليمية ومستقبل محاط بالمخاطر»، في خطاب سعى إلى تقديم أبوظبي باعتبارها طرفا يتجه نحو تراجع موقعه الإقليمي.

واستفادت المنابر الإعلامية الجزائرية، إلى جانب صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، من الانتقادات السعودية التي استهدفت الإمارات خلال الأشهر الماضية، خاصة على خلفية الخلافات المتعلقة بالملف اليمني. وجرى توظيف تلك المواقف لإبراز وجود تقاطع بين الخطابين الجزائري والسعودي، بما أوحى بأن الجزائر قد تجد في التوتر الخليجي سندا سياسيا وإعلاميا لموقفها من أبوظبي.

كما حرصت وسائل إعلام جزائرية على إبراز تصريحات تبون بشأن قوة العلاقات مع السعودية، إلى جانب التفاعل السعودي مع مواقفه من بعض الملفات الإقليمية، من بينها منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك». وأسهم الجمع بين الإشادة بالرياض ومهاجمة أبوظبي في ترسيخ انطباع بأن الجزائر تراهن على علاقاتها مع المملكة لتعزيز موقفها في مواجهة الإمارات.

لكن التحولات الأخيرة في الموقف السعودي تضع هذه القراءة أمام اختبار حقيقي، إذ تكشف الاتصالات واللقاءات المتبادلة عن رغبة في احتواء الخلافات وتعزيز التعاون، بدل الانخراط في مواجهة مفتوحة. كما أن تأكيد الطرفين ارتباط أمنهما المشترك يعقد الرهان على استمرار التباعد بينهما، ويضعف إمكانية الاستناد إلى خلافاتهما لتبرير القطيعة الجزائرية أو منحها غطاء إقليميا.

وتبرز أولى تداعيات هذا المسار في التناقض بين الخطاب الجزائري الذي تحدث عن عزلة الإمارات والتحركات السعودية التي أعادت أبوظبي إلى واجهة التواصل السياسي. فاستقبال مسؤولين إماراتيين في الرياض وتأكيد التنسيق المشترك يقدمان مؤشرات مغايرة للصورة التي سعت الجزائر إلى تكريسها بشأن تراجع مكانة الإمارات إقليميا.

أما التداعيات الثانية، فتتعلق بتقلص هامش المناورة أمام الجزائر، إذ إن تقارب الرياض وأبوظبي يجعل من الصعب تقديم العلاقات الجزائرية السعودية باعتبارها امتدادا لجبهة إقليمية مناهضة للإمارات. فالمملكة، التي تحافظ على علاقاتها مع الجزائر، تبدو في الوقت نفسه حريصة على إعادة ترتيب علاقتها بأبوظبي وفق مصالحها الأمنية والسياسية والاقتصادية.

ويطرح هذا الوضع أيضا أسئلة بشأن كلفة استمرار القطيعة الجزائرية، في ظل اتجاه السعودية والإمارات إلى احتواء خلافاتهما، خصوصا في الملفات المرتبطة باليمن والأمن الإقليمي. فبينما تتمسك الجزائر بقرارها، تتحرك الرياض وأبوظبي نحو استعادة قنوات التواصل، ما يضع الجزائر أمام تحدي إدارة خلافها مع الإمارات دون أن تجد نفسها في موقع يتعارض مع توجهات شريك خليجي تحرص على توطيد علاقاتها معه.

ولا تبدو هذه الإشكالية معزولة عن سجل الجزائر في إدارة خلافاتها الدبلوماسية، إذ سبق لها قطع علاقاتها مع إسبانيا على خلفية موقف مدريد الداعم لمبادرة الحكم الذاتي المغربية في قضية الصحراء. ولم تتمكن الجزائر من دفع إسبانيا إلى التراجع عن موقفها، قبل أن تعود العلاقات بين البلدين إلى مسار الإصلاح مع استمرار مدريد في دعم الموقف المغربي.

كما شهدت العلاقات الجزائرية الفرنسية توترات حادة بسبب ملفات سياسية وتاريخية، في وقت واجهت فيه الجزائر صعوبات في تحويل التصعيد الدبلوماسي إلى مكاسب ملموسة. وامتدت الخلافات كذلك إلى عدد من دول منطقة الساحل، ما أعاد طرح تساؤلات بشأن فعالية سياسة القطيعة في تحقيق الأهداف الخارجية للجزائر.

وفي ظل التقارب السعودي الإماراتي، تبدو الجزائر أمام معادلة دقيقة، عنوانها استمرار القطيعة مع أبوظبي مقابل تحولات إقليمية لا تسير بالضرورة وفق حساباتها. وبين تمسك تبون بموقفه ورغبة الرياض وأبوظبي في تجاوز خلافاتهما، يبقى التحدي الأساسي أمام الجزائر هو تجنب تحول قرارها الدبلوماسي إلى عبء إضافي على تحركاتها الإقليمية، بدل أن يشكل ورقة ضغط تحقق من خلالها مكاسب سياسية واضحة.