









تسريبات من داخل الثكنات تكشف حجم الغليان والتصدع في الجيش الجزائري
الوكالة
2025-10-26

تعيش المؤسسة العسكرية الجزائرية واحدة من أكثر فتراتها توتراً منذ عقود، بعد أن تحولت من ركيزة للنظام إلى مصدر قلق داخلي، وسط مؤشرات متزايدة على تصدع الولاءات داخلها وتراجع الانضباط الذي كان يُقدَّم لعقود كعنوانٍ لقوتها. فالثكنات التي كانت تُدار بقبضة من حديد، باتت اليوم تعيش على وقع تململٍ صامتٍ يتجاوز الرتب الدنيا إلى المستويات القيادية، في مشهدٍ يعكس حجم الأزمة البنيوية التي تضرب “الجيش الحاكم” في جوهره.
تقارير متواترة تشير إلى أن الأسابيع الأخيرة شهدت سلسلة توقيفات وتحقيقات داخل أجهزة الاستخبارات ووحدات القيادة الميدانية، طالت ضباطاً كباراً بتهم تتراوح بين “الفساد” و“التآمر”، في حين تتحدث تسريبات عن فرار أسماء وازنة نحو الخارج خوفاً من تصفيات داخلية. لكن خلف هذه الأحداث المتلاحقة تكمن حقيقة أعمق: صراع أجنحة داخل المؤسسة التي تحكم البلاد فعلياً، حيث يتنازع الجنرالات على النفوذ والثروة في ظل نظام فقد بوصلته السياسية.
الأزمة لم تعد مجرد “حركة تطهير” كما يسوّق الإعلام الرسمي، بل أصبحت عنواناً لاهتزازٍ خطير في تماسك الجيش الجزائري. فالمعنويات متدهورة، والرواتب متأخرة، وشهادات متداولة من داخل الثكنات تتحدث عن أوضاع معيشية مهينة. ومع انعدام الثقة بين القيادة والجنود، أصبح التذمر حديث الساعة في أوساط الضباط الشباب الذين يرون أن تضحياتهم تُستغل فقط لتثبيت نظامٍ عسكري عجوز فقد شرعيته.
الأخطر من ذلك أن المؤسسة العسكرية، التي تمسك بمفاصل القرار منذ الاستقلال، لم تعد تملك القدرة على ضمان تماسكها الداخلي بعد أن فقدت امتيازاتها القديمة. فالأزمة الاقتصادية الحادة وتراجع احتياطات العملة الصعبة جعلت النظام غير قادر على شراء الولاءات بالمنح والعقود كما في السابق، ما فتح الباب أمام تمرد صامت داخل الصفوف المتوسطة والعليا.
هذا التآكل الداخلي يفسّر كثيراً من السلوك العدواني الخارجي للنظام الجزائري، الذي يحاول تصدير أزماته عبر خلق توترات مع المغرب والتلويح الدائم بخطر “العدو الخارجي”. فكلما اشتد الضغط داخل الثكنات، ارتفعت الحملة ضد الوحدة الترابية للمملكة. إنها المعادلة القديمة ذاتها: حين ينهار الداخل، يبحث النظام عن عدوّ يعلّق عليه فشله.
في المقابل، يواصل المغرب تعزيز احترافية جيشه في صمت، مستنداً إلى رؤية ملكية استراتيجية تقوم على التحديث والانضباط والارتباط بالوطن لا بالأشخاص. وبينما ينشغل الجنرالات الجزائريون في تصفية حساباتهم، يبني المغرب جيش المستقبل: جيش عقيدته الوطنية راسخة في الدفاع عن وحدة التراب المغربي من طنجة إلى الكويرة.
إن ما يجري اليوم في الجزائر ليس مجرد أزمة داخل مؤسسة عسكرية، بل انكشاف لنظامٍ يعيش على فوهة بركان. فحين يفقد الجيش تماسكه، يفقد النظام آخر أعمدته. والتاريخ علّمنا أن الأنظمة التي تبني شرعيتها على الدبابات، غالباً ما تسقط بأول شرخٍ في صفوف جنرالاتها.




