









برلماننا.. صورة لمجتمعنا أم صدى لأزماته؟
الوكالة
2026-05-22

صورة من أرشيف الوكالة
امبارك فلحاوي
في إحدى الجلسات البرلمانية المخصصة لمناقشة تقرير المجلس الأعلى للحسابات، لم يكن ما أثار الانتباه هو حجم الملفات المرتبطة بتدبير المال العام، ولا النقاشات المتعلقة بالحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، بل عدد الكراسي الفارغة داخل القاعة. يومها، تحولت صور القاعة شبه الخالية إلى مادة واسعة التداول على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد الحديث عن غياب أكثر من 300 نائب من أصل 395. وخلال ساعات قليلة، انفجرت موجة غضب وسخرية رقمية، أعادت إلى الواجهة السؤال التقليدي حول جدوى المؤسسة التشريعية ومدى ارتباطها الحقيقي بانتظارات المغاربة.

لكن خلف هذا الغضب المتكرر، يختبئ سؤال أعمق: هل البرلمان المغربي يعيش أزمة خاصة به فقط، أم أنه أصبح يعكس، بشكل أو بآخر، صورة المجتمع المغربي نفسه بكل تناقضاته وتحولاته؟
غالبا ما يقدم البرلمان باعتباره فضاء منفصلا عن المجتمع، تنتج داخله الشعبوية والصراعات السياسية والبحث عن الامتيازات والظهور الإعلامي. غير أن التمعن في تفاصيل الحياة البرلمانية خلال الولاية التشريعية الحالية يكشف أن كثيرا من السلوكيات المنتقدة داخل المؤسسة ليست سوى امتداد لتحولات أوسع يعيشها الفضاء العمومي المغربي نفسه.
خلال مناقشة مشروع قانون الإضراب، مثلا، لم يبق النقاش محصورا داخل قبة البرلمان. سرعان ما انتقل إلى الشارع والنقابات ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث تحولت مقتطفات قصيرة من تدخلات بعض النواب إلى مادة للنقاش الحاد والسخرية والاستقطاب. ولم يكن المواطنون يتداولون تفاصيل المواد القانونية المعقدة بقدر ما كانوا يتفاعلون مع الجمل الحادة والردود الساخنة والاتهامات المتبادلة بين الأغلبية والمعارضة.
وفي إحدى الجلسات البرلمانية الأخيرة، تحولت المناقشات داخل القاعة إلى حالة من التوتر غير المسبوق بعدما تفجرت اتهامات متبادلة بين نواب الأغلبية والمعارضة، على خلفية استعمال توصيفات أثارت غضبا واسعا داخل الجلسة. فقد شهدت الواقعة تبادلا لعبارات من قبيل “الشيعة” واتهامات ذات حمولة سياسية وطائفية، ما دفع الجلسة إلى أجواء من الصراخ والاحتجاج وتبادل الاتهامات، قبل أن تنتقل تفاصيلها بسرعة إلى مواقع التواصل الاجتماعي وعناوين الصحف. يومها، لم يكن المغاربة يتابعون نقاشا تشريعيا بقدر ما كانوا يشاهدون صورة مكثفة عن حجم التوتر والاستقطاب الذي أصبح يطبع جزءا من الخطاب السياسي والعمومي.
ولم يعد التوتر يقتصر على العلاقة بين الأغلبية والمعارضة داخل البرلمان فقط، بل امتد أحيانا إلى علاقة السياسي بالإعلامي نفسه. فقد أثار النقاش الحاد الذي دار مؤخرا بين محمد أوزين والصحفي بلهيسي في أحد البرامج السياسية جدلا واسعا، بعدما وجه أوزين اتهامات ضمنية للصحفي بالانحياز والدفاع عن الحكومة، قبل أن يطلق عبارته الساخرة: “واش مكلفين بمهمة؟”. وخلال ساعات، تحولت الجملة إلى مادة متداولة على المنصات الاجتماعية، ليس فقط بسبب حدتها، بل لأنها كشفت مناخا سياسيا وإعلاميا أصبحت فيه النوايا نفسها محل تشكيك دائم، وأصبح فيه التوتر والاستقطاب أكثر حضورا من النقاش الهادئ.
في لحظة معينة، بدا وكأن النقاش التشريعي نفسه خضع لقواعد “الترند”. لم تعد المداخلة التي تقدم معطيات دقيقة هي الأكثر انتشارا، بل تلك التي تحمل قدرا أكبر من الإثارة أو التصعيد أو اللغة الحادة. وهنا، لم يعد البرلمان فقط مؤسسة تنتج السياسة، بل أصبح أيضا منتجا يوميا للمحتوى الرقمي.
هذا التحول يظهر بوضوح أيضا خلال جلسات مساءلة رئيس الحكومة عزيز أخنوش، التي تتحول في كثير من الأحيان على المنصات الاجتماعية إلى سلسلة من “المواجهات القصيرة” المقتطعة من سياقها الكامل. فخلال دقائق قليلة بعد انتهاء الجلسة، تنتشر مقاطع لردود غاضبة أو تعليقات ساخرة أو لحظات توتر بين النواب، بينما تختفي النقاشات الطويلة المتعلقة بالسياسات العمومية خلف سيل من المقاطع القصيرة القابلة للمشاركة السريعة.
ولعل المفارقة الأبرز أن البرلمان، الذي يفترض أنه فضاء للنقاش الهادئ والتشريع المتأني، أصبح بدوره متأثرا بإيقاع المجتمع الرقمي السريع. بعض البرلمانيين باتوا يدركون أن جملة واحدة مثيرة قد تحقق حضورا جماهيريا يفوق أحيانا ساعات طويلة من العمل داخل اللجان البرلمانية. لذلك، لم يعد غريبا أن تتحول بعض التدخلات إلى ما يشبه الأداء الموجه للكاميرا أكثر من كونه خطابا موجها للمؤسسة.
لكن اختزال البرلمان في هذه الصور فقط سيكون بدوره ظلما للحقيقة. فبعيدا عن الجلسات المثيرة واللقطات المنتشرة، توجد داخل المؤسسة أيضا نقاشات تقنية معقدة حول مشاريع قوانين مرتبطة بالاستثمار والحماية الاجتماعية والمالية والعدالة، يقضي فيها النواب ساعات طويلة بعيدا عن عدسات الهواتف. غير أن هذه اللحظات الهادئة لا تجد مكانها داخل الفضاء الرقمي، لأن زمن السياسة الهادئة لم يعد قادرا على منافسة سرعة الصورة والإثارة.
وفي العمق، ربما لا تكمن المشكلة فقط في البرلمان، بل في طبيعة العلاقة التي أصبحت تربط المجتمع نفسه بالسياسة. فالمواطن الذي يهاجم الشعبوية داخل المؤسسة، يساهم أحيانا، عن قصد أو دون قصد، في تكريسها حين يمنح اهتمامه الأكبر للخطاب الصادم بدل النقاش العميق، وللمواجهة الحادة بدل التحليل الهادئ. وهكذا، يتحول البرلمان تدريجيا إلى مرآة تعكس تحولات المجتمع أكثر مما تعكس فقط اختلالات المؤسسة.
إن القبة البرلمانية اليوم لا تكشف فقط طريقة اشتغال السياسيين، بل تكشف أيضا طبيعة الزمن السياسي والاجتماعي الذي يعيشه المغرب؛ زمن السرعة، والاستقطاب، وضعف الثقة، وهيمنة الصورة، وتراجع النقاش العمومي العميق. لذلك، قد يكون السؤال الحقيقي ليس لماذا يبدو البرلمان بهذا الشكل، بل: أي مجتمع نصنع حين تصبح السياسة نفسها خاضعة لمنطق الفرجة والتفاعل اللحظي؟
ربما لم يعد أخطر ما يواجه البرلمان المغربي هو الكراسي الفارغة فقط، بل امتلاء الفضاء السياسي بضجيج متواصل لا يترك مساحة كافية للنقاش الهادئ. وبين صخب المنصات الرقمية وتوتر الجلسات البرلمانية، يبدو أن المؤسسة التشريعية أصبحت، أكثر من أي وقت مضى، صورة مكبرة لتحولات المجتمع المغربي نفسه، بكل ما يحمله من قلق واستقطاب وسرعة في الأحكام وردود الفعل.




