









النوار في العقار بالمغرب.. بين حلم السكن والإستنزاف وغياب الرقابة؟
الوكالة
2026-10-10

أمـن زهيـر
بين الدعم السكني المعلن والمبالغ التي تُطلب خارج العقود، يجد المواطن البسيط نفسه أمام معادلة قاسية: إما أن يدفع النوار أو يتخلى عن حلم امتلاك سكن يحميه من تقلبات الحياة. في الوقت الذي تراهن فيه الدولة على برنامج الدعم المباشر للسكن من أجل تمكين المواطنين، خصوصاً ذوي الدخل المحدود، من امتلاك مسكن لائق، تثير ممارسات متداولة في سوق العقار تساؤلات جدية حول مدى وصول هذا الدعم إلى مستحقيه، وحول قدرة آليات المراقبة على التصدي لكل أشكال التحايل والاستغلال.
فالمشكل لم يعد، وفق شكايات وشهادات متداولة، مرتبطاً فقط بارتفاع أسعار الشقق أو بصعوبة الحصول على قرض بنكي، بل أصبح يتعلق أيضاً بما يُعرف في الأوساط العقارية بـ«النوار»، أي مطالبة المشتري بأداء مبالغ مالية إضافية خارج الثمن المصرح به في الوثائق الرسمية، وكأن امتلاك سكن أصبح مشروطاً بأداء ثمنين: ثمن قانوني معلن، وثمن آخر يُفرض في الكواليس أو يُقال عنه، في بعض الحالات، إنه «همزة» لا يمكن إتمام عملية البيع من دونها.
والأكثر إثارة للقلق أن هذه الممارسات لا تظل دائماً حبيسة المجالس المغلقة، بل تظهر أحياناً في إعلانات ومنشورات متداولة عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، تتحدث بصراحة عن فرص اقتناء شقق أو عن مبالغ إضافية مرتبطة بعملية البيع، وهو ما يطرح سؤالاً مشروعاً: إذا كانت هذه العروض تُنشر للعموم، فأين هي الجهات التي يفترض أن تراقب سلامة المعاملات العقارية، وتتحقق من قانونية الأثمان المصرح بها، وتتصدى للممارسات التي قد تضر بالمستهلك وبالمالية العامة؟
إن خطورة «النوار» لا تكمن فقط في كونه عبئاً مالياً إضافياً، بل في كونه قد يفرغ الدعم السكني من جزء مهم من غايته الاجتماعية؛ فحين تخصص الدولة دعماً عمومياً لمساعدة المواطن على اقتناء مسكن، ثم يجد هذا المواطن نفسه مطالباً بتوفير مبلغ إضافي خارج الوثائق الرسمية، فإن النتيجة قد تكون حرمان الأسر الأكثر هشاشة من الاستفادة الفعلية، أو دفعها إلى الاستدانة وتحمل التزامات تفوق قدرتها المالية.
وهنا يبرز التناقض الصارخ بين فلسفة الدعم، القائمة على تخفيف أعباء التملك، وبين واقع محتمل يصبح فيه المستفيد مطالباً بتوفير سيولة إضافية لا يشملها التمويل البنكي ولا تظهر في عقد البيع. كما أن هذه الممارسات، إذا ثبتت، تثير إشكالات تتعلق بالشفافية الجبائية، وصحة التصريحات المرتبطة بالمعاملات، وحماية حقوق المشترين، فضلاً عن المخاطر التي قد يواجهها المشتري عند نشوب نزاع حول مبلغ أداه من دون إثبات رسمي.
ولم يعد هذا الموضوع مجرد نقاش عابر على مواقع التواصل الاجتماعي؛ فقد سبق أن طُرحت المطالبة غير المشروعة بأداء «النوار» في المعاملات العقارية داخل المؤسسة التشريعية، كما أثيرت تساؤلات بشأن ارتفاع أسعار السكن عقب إطلاق برنامج الدعم المباشر. وهي مؤشرات تجعل الملف جديراً بفتح نقاش مؤسساتي جاد، بعيداً عن التهويل أو إطلاق الأحكام المسبقة، وقريباً من التحقيق في الوقائع وحماية حقوق المواطنين.
لكن السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم ليس فقط: من يطلب «النوار»؟ بل أيضاً: من يراقب، ومن يتحقق، ومن يحاسب عندما تثبت المخالفات؟
فوزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة مطالبة بتقييم مدى تحقيق البرنامج لأهدافه الاجتماعية، والوقوف على الشكايات المرتبطة بالشروط غير المعلنة للبيع. والمديرية العامة للضرائب مطالبة، في نطاق اختصاصها، بالتثبت من التصريحات الجبائية والمعاملات التي تحوم حولها شبهات إخفاء جزء من الثمن الحقيقي.
كما أن الجهات المكلفة بحماية المستهلك مدعوة إلى تعزيز التوعية واستقبال الشكايات ومواكبة المتضررين، فيما يتعين على الجهات القضائية والإدارية المختصة التعامل مع الملفات المدعمة بالأدلة وفق القانون. ولا يقل دور الموثقين وباقي المهنيين المعنيين بالمعاملات العقارية أهمية في ضمان توثيق الثمن الحقيقي وشروط البيع بصورة واضحة وقانونية، كلٌّ في حدود اختصاصه ومسؤوليته.
أما ما يُنشر علناً على صفحات التواصل الاجتماعي، فلا ينبغي التعامل معه باعتباره دليلاً قاطعاً على وقوع جريمة، لكنه قد يشكل، متى تضمن معطيات دقيقة وقابلة للتحقق، مدخلاً مشروعاً لطلب التوضيحات وفتح عمليات التحقق اللازمة.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس الاكتفاء ببلاغات عامة حول نجاح برنامج الدعم، ولا ترك المواطن وحيداً أمام شروط يفرضها عليه بعض المتعاملين، بل إرساء آلية واضحة لتلقي التبليغات، وتمكين المشتري من الإبلاغ عن طلب مبالغ خارج العقد دون خوف، والتحقق من الإعلانات المشبوهة، ومقارنة الأثمان المصرح بها بالمعطيات المتوفرة لدى الجهات المختصة، مع ترتيب المسؤوليات عند ثبوت المخالفات. كما أن الشفافية تقتضي نشر نتائج المراقبة والإجراءات المتخذة، مع احترام قرينة البراءة وحماية المعطيات الشخصية.
إن السكن ليس امتيازاً يمنحه أحد للمواطن مقابل أداء مبالغ غير معلنة، وليس مجالاً ينبغي أن تتحول فيه حاجة الأسر إلى فرصة لفرض شروط تعسفية. إنه حق اجتماعي وركيزة للاستقرار الأسري، والدعم العمومي الذي ترصده الدولة ليس هدية للوسطاء ولا فرصة لرفع الكلفة الحقيقية للتملك، وإنما آلية يفترض أن تخدم المواطن وتخفف عنه عبء اقتناء مسكن.
فإذا كان المواطن يرى عروضاً تتحدث عن «النوار» على صفحات فيسبوكية، ويسمع عن مبالغ إضافية تُطلب خارج الثمن المعلن، فمن حقه أن يسأل: أين تنتهي حرية البيع والشراء، وأين تبدأ مسؤولية الرقابة؟ ولماذا يُترك المواطن البسيط ليواجه وحده ممارسات قد تستنزف مدخراته، بينما يفترض أن تتكامل أدوار المؤسسات لحمايته؟
إن محاربة «النوار» لا تبدأ بالشعارات، بل بمراقبة فعالة، وتبليغ آمن، وتحقيق جدي، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون. أما ترك الأمور على حالها، إن ثبت وجود اختلالات دون تدخل فعال، فقد يجعل الدعم الذي أُطلق لتقريب حلم السكن من الفئات المستحقة عاجزاً عن بلوغ غايته كاملة.
ويبقى الرهان الحقيقي هو أن يشعر المواطن بأن الدولة لا تساعده فقط على شراء سكن، بل تحميه أيضاً من كل ممارسة غير مشروعة قد تحول ذلك الحلم إلى عبء مالي جديد.




