









المرأة القروية بين حصيلة أخنوش ووعود المنصوري
الوكالة
2026-10-26

حنان شتوي
تظل المرأة القروية في المغرب في قلب معادلة التنمية، باعتبارها فاعلا أساسيا في الإنتاج الفلاحي وتربية الماشية والأنشطة المدرة للدخل، فضلا عن أدوارها داخل الأسرة والمجتمع. ورغم ما راكمته السياسات العمومية من برامج تروم فك العزلة وتقليص الفوارق المجالية، لا تزال نساء كثيرات في العالم القروي يواجهن تحديات مرتبطة بالأمية، وضعف فرص الشغل، ومحدودية الولوج إلى التمويل والتكوين والحماية الاجتماعية، فضلا عن استمرار العمل غير المؤدى عنه.
ومع اقتراب نهاية الولاية الحكومية التي قادها عزيز أخنوش خلال الفترة الممتدة من 2021 إلى 2026، يبرز سؤال حصيلة التدخلات الموجهة إلى العالم القروي، ومدى انعكاسها على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للنساء. كما تتجه الأنظار إلى الالتزامات المنسوبة إلى البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031، وما يمكن أن تحمله من إجراءات عملية لتحسين ظروف عيش المرأة القروية وتعزيز استقلاليتها الاقتصادية.
وخلال السنوات الماضية، استمر تنفيذ برامج تستهدف تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، وفي مقدمتها برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية بالعالم القروي، الذي رُصد له غلاف مالي إجمالي معلن قدره 48 مليار درهم. ووفق معطيات منشورة على البوابة الرسمية للمغرب سنة 2025، شمل البرنامج 1,243 جماعة ترابية و140 مركزا قرويا، لفائدة أكثر من 14 مليون نسمة، من خلال مشاريع همت الطرق والمسالك القروية، والتزود بالماء الصالح للشرب، والكهرباء، والمؤسسات التعليمية والمراكز الصحية.
وتكتسي هذه المشاريع أهمية خاصة بالنسبة إلى النساء، بالنظر إلى دور البنيات التحتية في تسهيل التنقل والوصول إلى المؤسسات التعليمية والمرافق الصحية، وتقليص بعض الأعباء اليومية المرتبطة بتدبير شؤون الأسرة. غير أن تقييم حصيلة هذه الاستثمارات يقتضي التمييز بين النتائج الإجمالية لبرنامج متعدد السنوات وما تحقق خلال الولاية الحكومية، فضلا عن قياس أثر المشاريع المنجزة على دخل الأسر وفرص الشغل المتاحة للنساء.
ففك العزلة، رغم ضرورته، لا يعني بالضرورة تحقيق الاستقلال الاقتصادي للمرأة القروية، ما لم يواكبه إحداث فرص شغل مستقرة، وتطوير الأنشطة المدرة للدخل، وتحسين شروط تسويق المنتجات المحلية. كما أن مساهمة النساء في الإنتاج الفلاحي والأنشطة الأسرية لا تقابلها دائما أجور مستقلة أو حماية اجتماعية كافية، وهو ما يجعل التمكين الاقتصادي أحد أبرز الملفات المطروحة على السياسات العمومية.
وتتداخل هذه الإكراهات مع تحديات أخرى، في مقدمتها الأمية والهدر المدرسي وصعوبة الولوج إلى التكوين المهني والتمويل، إلى جانب محدودية فرص الاستفادة من الأسواق الحديثة وقنوات التسويق الرقمي. وتزداد حدة هذه الصعوبات لدى النساء اللواتي يتحملن مسؤوليات أسرية متواصلة، ويشتغلن في أنشطة موسمية أو غير مهيكلة لا تضمن لهن دخلا منتظما.
وفي هذا السياق، يطرح البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031، وفق المعطيات الواردة بشأنه، مجموعة من الالتزامات المرتبطة بالتعليم والصحة والتشغيل والسيادة المائية والغذائية. ومن بين الأهداف المعلنة بلوغ نسبة لا تقل عن 80 في المائة من التلاميذ المتحكمين في التعلمات والكفايات الأساسية بحلول 2031، والعمل على القضاء على الهدر المدرسي بحلول 2030. وهي أهداف تكتسي أهمية بالنسبة إلى الفتيات في الوسط القروي، حيث تؤثر المسافة عن المؤسسات التعليمية وصعوبات التنقل في فرص متابعة الدراسة.
وفي المجال الصحي، تتجه الالتزامات المعلنة نحو تعزيز العرض الصحي بالمناطق الأقل استفادة وتحسين خدمات التكفل بالمرضى والاستعجالات. ويبقى الرهان، بالنسبة إلى سكان القرى والنساء على وجه الخصوص، هو ترجمة هذه التوجهات إلى خدمات قريبة ومنتظمة، والحد من مشقة التنقل إلى المراكز الصحية، مع تحسين جودة الرعاية وظروف الاستقبال.
أما في مجال التشغيل، فتبرز الحاجة إلى ربط برامج التكوين والإدماج الاقتصادي بحاجيات النساء القرويات، وعدم حصر الاستفادة في فئات يصعب عليها الوصول إلى مراكز التكوين أو فرص العمل المتاحة في المدن. كما يظل دعم التعاونيات والمقاولات النسائية مدخلا مهما لتثمين المنتجات الفلاحية والصناعات التقليدية، شريطة أن يتجاوز الدعم توفير المعدات أو تنظيم دورات تكوينية، ليشمل المواكبة التقنية والإدارية والتسويق والربط بالأسواق.
وتكتسي التوجهات المرتبطة بمواجهة الإجهاد المائي وتعزيز السيادة الغذائية بدورها أهمية بالنسبة إلى المناطق التي يعتمد اقتصادها على الفلاحة وتربية الماشية، خاصة في ظل توالي فترات الجفاف وتراجع الموارد المائية. فالتغيرات المناخية لا تؤثر فقط في الإنتاج والمداخيل، بل تزيد أيضا من الأعباء اليومية التي تتحملها النساء في عدد من المناطق القروية، ما يفرض إدماج حاجياتهن ضمن برامج تدبير الماء ودعم الأنشطة الفلاحية.
ومع ذلك، فإن الإعلان عن أهداف قطاعية لا يكفي وحده للحكم على مدى استفادة المرأة القروية منها. إذ يظل التحدي الأساسي مرتبطا بمدى وجود إجراءات محددة وممولة، وبكيفية توزيع الموارد بين الجهات والأقاليم، وبالنتائج التي ستتحقق على مستوى التشغيل والدخل والحماية الاجتماعية. كما أن غياب مؤشرات واضحة ومحيّنة حول عدد النساء المستفيدات وطبيعة المشاريع التي أُحدثت ومدى استمرارها يجعل قياس الأثر الاجتماعي والاقتصادي أمرا صعبا.
ويقتضي تجاوز هذه الإشكالات اعتماد مقاربة تربط الاستثمار في البنيات التحتية بخلق الثروة محليا، من خلال دعم سلاسل الإنتاج الفلاحي وتثمين المنتجات المجالية وتطوير الصناعات الغذائية والصناعة التقليدية والسياحة القروية. كما يستدعي الأمر توسيع فرص التكوين المهني بالقرب من أماكن السكن، وتيسير الولوج إلى التمويل، وتشجيع إحداث مشاريع نسائية قادرة على الاستمرار، بدل الاقتصار على مبادرات ظرفية أو أنشطة محدودة الأثر.
ويظل الاعتراف بالعمل غير المؤدى عنه من الملفات التي تستدعي اهتماما خاصا، بالنظر إلى مساهمة النساء في الأنشطة الزراعية والأسرية دون أن ينعكس ذلك دائما على استقلاليتهن المالية. ومن ثم، فإن توسيع الحماية الاجتماعية وتحسين ظروف العمل وتشجيع الأنشطة المدرة للدخل تمثل عناصر أساسية في أي سياسة تروم الانتقال بالمرأة القروية من المساهمة غير المعترف بها إلى المشاركة الاقتصادية المستقلة.
وفي موازاة ذلك، تبرز أهمية إرساء آليات للشفافية والتتبع، من خلال نشر تقارير دورية توضح الميزانيات المرصودة والمبالغ المصروفة، وعدد المستفيدات، وفرص الشغل التي جرى إحداثها، ومعدلات استمرار المشاريع بعد انتهاء الدعم. كما أن إشراك النساء القرويات والجمعيات المحلية في إعداد البرامج وتقييمها من شأنه أن يساعد على توجيه التدخلات نحو الحاجيات الفعلية لكل منطقة.
وبين حصيلة برامج التنمية القروية خلال ولاية عزيز أخنوش والالتزامات المرتبطة بالمرحلة الحكومية المقبلة، يبقى الرهان هو قياس ما ستحدثه السياسات العمومية من تغيير ملموس في حياة النساء. فالمعيار لا ينبغي أن يقتصر على حجم الاستثمارات أو عدد المشاريع المعلنة، بل يتعين أن يشمل مدى تحسن الدخل، وتوفر فرص الشغل اللائق، واستمرار المشاريع النسائية، وتيسير الولوج إلى التعليم والصحة والحماية الاجتماعية.
فالمرأة القروية ليست مجرد مستفيدة من برامج التنمية، بل شريك في إنتاج الثروة وتحريك الاقتصاد المحلي. ومن هنا، فإن نجاح السياسات الموجهة إليها يظل رهينا بقدرتها على تحويل الالتزامات إلى إجراءات قابلة للقياس، ونتائج موثقة، وفرص اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على أوضاع النساء والأسر في العالم القروي.




