السدود تبتلع المصطافين وتكشف خصاص المسابح

الوكالة

2026-09-28

تتجدد، مع كل صيف، مأساة الغرق في حقينات السدود ومجاري الأودية بعدد من المناطق المغربية، خصوصا بالمجالات الداخلية والقروية، حيث يجد مواطنون، في ظل محدودية فضاءات السباحة والاستجمام، أنفسهم أمام خيار محفوف بالمخاطر للهروب من ارتفاع درجات الحرارة.

وأعادت حالات الغرق المسجلة خلال الصيف الجاري النقاش حول مدى توفر بدائل آمنة للسكان، وسط مطالب حقوقية بضرورة اعتماد استراتيجية وطنية تضمن عدالة مجالية في توزيع المسابح والفضاءات العمومية المخصصة للترفيه والاستجمام، بالتوازي مع تشديد المراقبة على المشاريع المبرمجة في هذا المجال، خاصة تلك التي رصدت لها اعتمادات مالية وظلت متعثرة.

وحسب معطيات أوردتها هسبريس نقلا عن وكالة الحوض المائي لسبو، فقد تجاوز عدد حالات الغرق الناجمة عن السباحة في حقينات السدود 120 حالة منذ سنة 2017 إلى غاية يوليوز 2026. وكانت الوكالة قد سجلت، في معطيات سابقة تعود إلى غشت 2025، 110 حالات غرق مميتة منذ 2017، ما يبرز استمرار تسجيل ضحايا جدد خلال الفترة اللاحقة.

في المقابل، أظهرت المعطيات التي استقتها هسبريس من وكالتي الحوضين المائيين لكير زيز غريس ودرعة واد نون عدم تسجيل حالات غرق ناتجة عن السباحة في سدود الحوضين خلال الصيف الجاري، حسب الفترة التي شملتها المعطيات المنشورة. ولا يعني ذلك غياب المخاطر، إذ بادرت وكالات الأحواض المائية إلى تنظيم حملات تحسيسية تحذر من السباحة في هذه المنشآت المائية.

وفي هذا السياق، أطلقت وكالة الحوض المائي لسبو، بداية يوليوز 2026، حملة تحسيسية للوقاية من حوادث الغرق، استهدفت السكان القاطنين بالقرب من حقينات السدود والأودية، وشملت لقاءات ميدانية وتوزيع منشورات وملصقات ومطويات توعوية، مع تركيز خاص على الأطفال والأسر.

وتحذر الوكالة من التعامل مع مياه السدود باعتبارها فضاءات عادية للسباحة، بالنظر إلى وجود عوائق وأشجار داخل بعض الحقينات، فضلا عن الأوحال والتيارات الخفية وعمق المياه، وهي عوامل قد تعيق حركة السباح وترفع من صعوبة عمليات الإنقاذ. كما اختتمت الوكالة، في يوليوز الماضي، محطات حملتها التحسيسية بمحيط سد القنصرة، مجددة التأكيد على أن السدود والأودية ليست فضاءات آمنة للسباحة.

ولا تقتصر خطورة الظاهرة على طبيعة المنشآت المائية، إذ يرى فاعلون حقوقيون أن استمرار توجه المواطنين إلى هذه المواقع يرتبط أيضا بضعف العرض العمومي من المسابح وفضاءات الاستجمام، خاصة في المناطق الداخلية التي تفتقر، في عدد من الجماعات، إلى مرافق قريبة ومتاحة للسكان.

عبد الإله الخضري، رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان، قال إن توفير فضاءات السباحة والاستجمام بالمناطق الداخلية لا ينبغي التعامل معه باعتباره ترفا موسميا، وإنما يتعين إدراجه ضمن السياسات العمومية المرتبطة بالعدالة المجالية والاجتماعية، مستحضرا الحق في الحياة والسلامة البدنية المنصوص عليهما دستوريا.

وأوضح الخضري أن الإشكال يرتبط بغياب رؤية استراتيجية شاملة، إلى جانب تفاوت التدبير بين الجماعات والجهات، وما يرافق بعض المشاريع المرتبطة بإنجاز فضاءات السباحة والاستجمام من تعثرات وإشكالات على مستوى التنفيذ وتدبير الصفقات.

ويرى الفاعل الحقوقي أن استمرار الاكتفاء بمنع السباحة ووضع علامات التحذير لا يعالج أصل المشكلة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمناطق تفتقر إلى مسابح وفضاءات بديلة. ودعا، في المقابل، إلى توزيع واضح للمسؤوليات بين الدولة والجماعات الترابية والقطاع الخاص، مع وضع شروط صارمة بالنسبة للاستثمارات الخاصة، تضمن سلامة المرتفقين وجودة الخدمات ومراعاة القدرة الشرائية للمواطنين.

ويجد هذا النقاش امتدادات سابقة في مؤسسات الدولة، إذ سبق أن سجل سؤال برلماني سنة 2022، عقب وفاة ثلاثة شبان في إقليم الخميسات، ارتباط حوادث الغرق بغياب المسابح وفضاءات السباحة، وطالب بإحداث مرافق رياضية وترفيهية عمومية بالمنطقة، إلى جانب حملات للتحسيس بمخاطر السباحة في السدود والضايات ومجاري الأودية.

من جهته، اعتبر الفاعل الحقوقي عبد الكبير الجعفري أن لجوء سكان المناطق القروية وضواحي المدن الصغيرة إلى السدود والوديان للسباحة ليس ظاهرة مستجدة، مشيرا إلى أن غياب عدد من المرافق الأساسية عن العالم القروي يساهم في تكريس الفوارق بين المجالين الحضري والقروي.

وأكد الجعفري أن فك العزلة عن القرى لا ينبغي أن يقتصر على تعبيد الطرق وربط المناطق النائية بالبنيات الأساسية، بل يتعين أن يشمل أيضا المرافق الرياضية والترفيهية، بما فيها فضاءات السباحة، معتبرا أن توفير هذه الخدمات يدخل ضمن تحسين شروط العيش وتعزيز استقرار السكان.

وأشار المتحدث إلى وجود جماعات قروية تتوفر على مشاريع مبرمجة لإنجاز فضاءات للسباحة والاستجمام، ورصدت لها ميزانيات، غير أن بعضها ظل متعثرا، مطالبا بتدخل أجهزة الرقابة، وعلى رأسها المجلس الأعلى للحسابات والمفتشية العامة للإدارة الترابية التابعة لوزارة الداخلية، للوقوف على أسباب عدم إنجاز المشاريع وترتيب المسؤوليات، بحسب ما ورد في التصريحات التي نقلتها هسبريس.

وبينما تواصل السلطات والوكالات المختصة حملاتها التحسيسية خلال فصل الصيف، يظل النقاش مطروحا حول مدى كفاية المقاربة الوقائية وحدها في مواجهة الظاهرة. فقد سبق لمسؤول بوكالة الحوض المائي لسبو أن أكد أن السباحة في حقينات السدود ممنوعة، وأن الوكالة تعتمد حملات ميدانية وإعلامية لتوعية السكان، مع التركيز على الأطفال والشباب وتشجيعهم على اختيار فضاءات آمنة.

وتتجاوز القضية، بذلك، مجرد احترام المواطنين لعلامات المنع والتحذير، لتطرح سؤال توفير بدائل حقيقية للسباحة والاستجمام، خصوصا في المناطق التي تعرف ارتفاعا في درجات الحرارة وتفتقر إلى مسابح عمومية أو مرافق ترفيهية قريبة.

وبين التحذيرات الرسمية وتكرار حوادث الغرق، يجد سكان عدد من المناطق الداخلية أنفسهم أمام مفارقة صيفية قاسية: حرارة مرتفعة، وفضاءات محدودة للترفيه، ومسطحات مائية واسعة ممنوع الاقتراب منها. وبين هذه العناصر، تستمر المطالب بإخراج ملف المسابح العمومية من التدبير الموسمي إلى التخطيط المجالي، وربط إنجازها بالحاجيات الفعلية للسكان، مع إخضاع المشاريع المتعثرة للمراقبة والمساءلة.

تصنيفات