









الدلاح يزلزل زاكورة.. أكثر من 90 جمعية وتعاونية تصطف لدعم التقنين ومواجهة استنزاف المياه
الوكالة
2026-10-19

محمد البشيري
في إقليم زاكورة، حيث تفرض ندرة المياه وتوالي سنوات الجفاف نفسها بقوة على النقاش حول مستقبل الواحات والأنشطة الفلاحية، لم يعد ملف زراعة البطيخ الأحمر والأصفر، المعروف محلياً بـ«الدلاح»، مجرد قضية مرتبطة بالموسم الفلاحي ومردودية الإنتاج، بل تحول إلى موضوع نقاش عمومي تتقاطع فيه رهانات حماية الموارد المائية، وصون الأراضي، وضمان استدامة النشاط الفلاحي، ومدى قدرة القرارات التنظيمية على الانتقال من النصوص إلى التطبيق الفعلي.
وفي تطور لافت، توصلت جريدة الوكالة بنسخة من بيان مؤرخ في 17 أكتوبر 2026، مرفق بتوقيعات تمتد على 39 صفحة، يضم أكثر من 90 جمعية وتعاونية، إلى جانب فعاليات مدنية وجمعوية، تعلن دعمها لتقنين زراعة البطيخ، وتؤكد أهمية حماية الموارد المائية والتصدي لكل الممارسات التي من شأنها المساهمة في استنزافها، في خطوة تعكس اتساع دائرة الاهتمام بهذا الملف بالإقليم.
وتأتي هذه التعبئة في سياق صدور القرار العاملي رقم 20 بتاريخ 14 أكتوبر 2026، المتعلق بتنظيم زراعة البطيخ الأحمر والأصفر برسم الموسم الفلاحي 2026-2027. ويعيد هذا القرار إلى الواجهة سؤالاً أساسياً يتجاوز الإعلان عن التدابير التنظيمية: كيف يمكن ضمان احترام مقتضيات التقنين على أرض الواقع، بما يحقق التوازن بين استمرار النشاط الفلاحي وضرورة الحفاظ على الثروة المائية التي تشكل أساس الحياة والاستقرار بإقليم زاكورة؟
إن دلالة توقيع أكثر من 90 جمعية وتعاونية على موقف داعم للتقنين لا تكمن في عدد الموقعين وحده، بل في الرسالة التي تحملها هذه التعبئة بشأن أهمية التدبير المسؤول للموارد الطبيعية، والحاجة إلى مقاربة تشاركية تجعل حماية الماء مسؤولية جماعية، لا مجرد التزام إداري أو إجراء موسمي مرتبط بفترة زراعية محددة.
وفي منطقة تواجه تحديات مائية متزايدة، تكتسي مراقبة مصادر السقي، واحترام الضوابط المعتمدة، وحماية الفرشة المائية، أهمية خاصة، بالنظر إلى ارتباط هذه العناصر باستدامة الواحات والأنشطة الفلاحية، فضلاً عن انعكاساتها المباشرة على الأجيال المقبلة. ومن ثم، فإن نجاح التقنين يظل رهيناً بوضوح القواعد، وفعالية المراقبة، وتطبيق المقتضيات المعمول بها على الجميع دون استثناء، مع مراعاة الأطر القانونية المنظمة للأنشطة الفلاحية وحقوق مختلف الأطراف.
كما يثير هذا الملف أهمية حماية الأراضي السلالية وضمان تدبيرها وفق القوانين الجاري بها العمل، بالنظر إلى مكانتها في النسيج الاجتماعي والاقتصادي المحلي. فالتنظيم الفلاحي لا ينفصل عن ضرورة احترام الوضعيات القانونية للعقارات، والتحقق من الوثائق ذات الصلة، وضمان عدم الإضرار بحقوق ذوي الحقوق، في إطار من الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي هذا السياق، تبرز أسئلة عملية تفرض نفسها على مختلف المتدخلين: ما التدابير الكفيلة بضمان التنزيل الفعلي للقرار العاملي رقم 20؟ وكيف ستتم مواكبة عمليات المراقبة والتحقق من احترام شروط زراعة البطيخ ومصادر سقيه؟ وما الآليات التي ستضمن استمرارية التتبع طوال الموسم الفلاحي، بدل حصره في تدخلات ظرفية؟ ثم كيف يمكن تعزيز التنسيق بين السلطات المختصة والمصالح التقنية والفاعلين المحليين، بما يجعل حماية الماء هدفاً قابلاً للقياس والتقييم؟
وهي أسئلة لا تستهدف التشكيك في الجهود المبذولة، بقدر ما تضع التنفيذ في صلب النقاش العمومي؛ لأن قيمة أي قرار تنظيمي لا تتحدد فقط بمضمونه، بل كذلك بمدى احترام مقتضياته، ووضوح آليات مراقبته، وقدرته على تحقيق الأهداف التي صدر من أجلها. كما أن توسيع دائرة التواصل مع الساكنة والفلاحين والجمعيات والتعاونيات من شأنه أن يعزز الثقة في التدابير المتخذة، ويتيح معالجة الإشكالات وفق مقاربة قائمة على المعطيات الدقيقة والمسؤولية المشتركة.
وقد عبّر الموقعون على البيان عن تقديرهم للمجهودات التي تبذلها السلطات الإقليمية في مجال التنمية المحلية، وما يرتبط بها من قضايا تدبير الموارد المائية والنهوض بالواحات. وفي هذا الإطار، تندرج الجهود المنسوبة إلى عامل إقليم زاكورة، محمد علمي ودان، في مواكبة الملفات التنموية ذات الصلة بالماء والواحات، ضمن سياق أوسع يستدعي تنسيقاً مستمراً بين مختلف المؤسسات والمصالح المعنية، بالنظر إلى تشابك التحديات البيئية والفلاحية والاجتماعية بالإقليم.
ولا يمكن اختزال النقاش حول «الدلاح» في موقف مؤيد أو معارض للزراعة في حد ذاتها؛ فالمسألة ترتبط بكيفية تنظيم هذا النشاط، وضمان احترام الضوابط المعتمدة، وتدبير الموارد المائية في منطقة تتطلب هشاشتها البيئية خيارات دقيقة ومتوازنة. كما أن أي مقاربة ناجعة تقتضي الاستناد إلى المعطيات الميدانية والدراسات التقنية، مع مراعاة الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية للفلاحة ومصالح الساكنة المحلية.
وبين صدور القرار العاملي واتساع دائرة الموقعين على البيان، يدخل ملف الدلاح بزاكورة مرحلة جديدة من النقاش، عنوانها الأبرز هو الانتقال من إعلان المواقف إلى تتبع النتائج. فالتحدي المطروح اليوم لا يقتصر على تأكيد أهمية التقنين، بل يمتد إلى مدى قدرة مختلف المتدخلين على ضمان احترامه، وتقييم أثره على الموارد المائية، وتقديم معطيات واضحة حول حصيلة تنفيذه خلال الموسم الفلاحي.
أكثر من 90 جمعية وتعاونية تضع ثقلها وراء مطلب التقنين؛ وهي رسالة تستحق أن تقابل بآليات واضحة للتتبع والتقييم، وبحوار مسؤول بين السلطات المختصة والفاعلين المعنيين. أما الرهان الأكبر، فيبقى أن تتحول هذه التعبئة إلى خطوة عملية نحو تدبير أكثر استدامة للماء والأرض، بما يحفظ حقوق الساكنة ويصون مستقبل الواحات.
ففي زاكورة، لا يتعلق الأمر بمحصول فلاحي عابر فحسب، بل بمورد مائي محدود، وواحات تواجه تحديات حقيقية، ومستقبل تنموي يتطلب التوفيق بين متطلبات الإنتاج وواجب حماية الثروات الطبيعية. ومن هنا، سيظل الاختبار الحقيقي هو ما ستكشف عنه المراقبة الميدانية، ومدى الالتزام بمقتضيات التقنين، والنتائج الملموسة التي ستتحقق على أرض الواقع.




