الجزائر كمنتج استعماري فرنسي قراءة خارج الأسطورة الوطنية للكابرانات

الوكالة

2025-04-04

في عمله الجديد، يقدم المؤرخ الفرنسي برنار لوغان قراءة جريئة ومغايرة لتاريخ الجزائر، متحرراً من الأطر التقليدية والسرديات الرسمية التي كرسها الخطاب الرسمي بعد الاستقلال. لا يعرض لوغان سرداً زمنياً كلاسيكياً بقدر ما يخوض في تحليل عميق يزعزع الأسس التي قام عليها الفهم السائد لماضي هذا البلد. من وجهة نظره، لم تكن الجزائر كما نعرفها اليوم كياناً موحداً قبل 1830، بل فضاءً مجزأً تأثر بتفاعلات داخلية وخارجية، وتطور تدريجياً إلى ما أصبح عليه بفعل الاستعمار الفرنسي.

يرى لوغان أن غياب الوحدة السياسية الفعلية على مر العصور كان نتيجة طبيعية للتنوع الشديد في المكونات الجغرافية والثقافية للمنطقة. ويبرز كيف أن الجزائر التاريخية ظلت خاضعة لتجاذبات قوى إقليمية مثل المغرب وتونس، الأمر الذي حال دون ظهور كيان وطني موحد، رغم وجود مراكز حضارية مثل تلمسان وبجاية. ويربط هذا الواقع بالموقع الجغرافي للمنطقة الذي جعلها منطقة عبور أكثر من كونها نقطة استقرار لكيان سياسي دائم.

ويمتد السرد في الكتاب ليغطي فترات تأثير الحضارات المتعاقبة، من القرطاجيين إلى الرومان والوندال، ثم البيزنطيين فالفتح الإسلامي، وصولاً إلى السيطرة العثمانية. غير أن ما يميز مقاربة لوغان هو تركيزه على أن عملية التوحيد السياسي الحقيقي للفضاء الجزائري لم تتحقق إلا مع دخول فرنسا، التي فرضت حدوداً إدارية أصبحت لاحقاً هي حدود الدولة الجزائرية الحديثة.

وفي معرض نقده للتاريخ الرسمي الذي صيغ بعد الاستقلال، يشير لوغان إلى أن هذا الخطاب بُني على مرتكزات أيديولوجية تتعمد تغييب بعض الحقائق التاريخية. من هذه المرتكزات فكرة أن العروبة تشكل جوهر الهوية الجزائرية، في مقابل تهميش البعد الأمازيغي. كما يرفض الزعم بوجود “أمة جزائرية” موحدة قبل الاستعمار، معتبراً ذلك تصوراً غير مدعوم علمياً. أما السردية التي تصور المقاومة ضد الاستعمار كحركة شعبية موحدة، فيقابلها لوغان بأرقام تظهر أن عدد الجزائريين الذين خدموا في الجيش الفرنسي فاق بكثير عدد المنخرطين في الكفاح المسلح.

ينتهي لوغان إلى دعوة واضحة: ضرورة إعادة كتابة تاريخ الجزائر بشكل علمي بعيداً عن الإيديولوجيا، مستشهداً برأي المؤرخ الجزائري محمد حربي الذي وصف الجزائر بأنها عالقة بين “الجحيم والفردوس”. ومن هذا المنطلق، يرى أن فهم هوية الجزائر يقتضي الغوص في تعدديتها وتعقيدها، لا اختزالها في رواية واحدة تخدم الحاضر السياسي.

لا يكتفي لوغان بتحليل الوقائع، بل يستخدم التاريخ كأداة للتفكير النقدي، موجهاً دعوة لفتح نقاش علمي حول المسارات التي صنعت الجزائر كما نعرفها. في كتابه، يتجاوز التحقيب الكلاسيكي ليضع القارئ أمام سؤال جوهري: ما الذي يجعل من كيانٍ ما أمة؟

تصنيفات