









الجزائر.. دولة تتاجر بالوهم وتمول فشلها بشعار تقرير المصير
الوكالة
2025-10-06

لم يعد أحد في العالم يخدع بالرومانسية الدستورية التي تتغنى بها الأنظمة الشمولية لتجميل وجهها القبيح، لكن النظام الجزائري تجاوز حدود النفاق السياسي حين حوّل أحد مبادئ دستوره إلى أداة ديماغوجية لتبرير عدائه الأبدي للمغرب، وإدامة وهم “القضية الصحراوية” كوقودٍ لاستمراره في السلطة. فالمادة الثلاثون من الدستور الجزائري التي تنص على “تضامن الجزائر مع الشعوب التي تكافح من أجل التحرر وتقرير المصير” تحولت في الممارسة إلى ترخيص مفتوح لتمويل الانفصال وزرع الفوضى، لا نصرةً للشعوب، بل تكريسًا لهيمنة الجنرالات الذين يحكمون البلاد بعقلية الثكنة.
فمنذ أن اختلق النظام العسكري عدوه الوهمي غربًا، وجد في المغرب شماعة يعلّق عليها فشله البنيوي وانسداد أفقه التنموي. احتاج الجنرالات إلى “حرب باردة داخلية” لتبرير التسلّح الجنوني الذي يبتلع ميزانية الدولة، وإلى عدوّ خارجي لتخويف الشعب وصرف أنظاره عن البطالة والقمع والفساد. وهكذا وُلدت أسطورة “حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير” — شعارٌ استُخدم لتنويم الداخل وتبرير نهب الثروة، بينما تواصل مافيا النفط والغاز اقتسام الكعكة بعيدًا عن أي رقابة أو محاسبة.
اليوم، يتكرر المشهد السخيف ذاته في نيويورك، حيث يشدّ وفد مما يسمى “اللجنة الوطنية الجزائرية للتضامن مع الشعب الصحراوي” الرحال إلى مقر الأمم المتحدة، في مهمة تافهة تُموّل من جيوب الجزائريين المنهكة. يتحدثون هناك عن “الاستفتاء الفعلي والسريع”، في الوقت الذي يعرف فيه الجميع أن هذا السيناريو مات سياسيًا منذ عقود، وأن الأمم المتحدة نفسها دفنته تحت ركام مبادرات فاشلة. أما هؤلاء “المناضلون الفندقيون” فليسوا سوى أبواق مدفوعة الأجر، تُردد ما يُملى عليها من قيادةٍ فقدت صوابها السياسي.
ولأن المسرحية تحتاج إلى ديكورٍ إضافي، فقد أرسلت الجزائر أيضًا “وفدًا برلمانيًا” ليعزف اللحن ذاته أمام اللجنة الرابعة للأمم المتحدة، في وقتٍ يحتفل فيه المغرب بانتصارٍ دبلوماسي واقتصادي جديد بعد الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي الذي أقرّ المعاملة التفضيلية للمنتجات القادمة من أقاليمه الجنوبية، ضاربًا عرض الحائط بكل محاولات الجزائر وأتباعها لعرقلة المسار. إنها صفعة جديدة تُضاف إلى سجل الخيبات الجزائرية التي تتوالى منذ نصف قرن من العبث.
خمسون سنة من الإنفاق السياسي الأعمى، مئات المليارات من الدولارات ضاعت في دعم الانفصال وتمويل الميليشيات والانفاق على مؤتمرات جوفاء… من يجرؤ على سؤال الجنرالات: كم كلفتكم هذه الأكذوبة؟ لا أحد يعرف، لأن الحساب يُمنع حين تكون العصابة هي الحاكم. لقد حوّلت الجزائر “حق تقرير المصير” إلى مخدر وطني، تسقي به شعبها كي ينسى واقعه البائس، بينما تستمر طغمتها الحاكمة في اغتراف الثروة وبيع الأوهام.
إنها ليست قضية “تضامن مع الشعوب”، بل تضامن مع البقاء في الكرسي. وليست دفاعًا عن “الحق في الحرية”، بل دفاعًا عن نظام يخشى أن يذوق شعبه طعمها. وبين المغرب الذي يبني ويستثمر في أقاليمه الجنوبية، وجارته الشرقية التي تحفر لنفسها حفرة الفشل وتُصرّ على النزول إليها، تتضح الصورة: مملكة تصنع المستقبل، وجمهورية تُهدر الحاضر باسم ماضٍ لم يوجد أصلًا.




