









استقبال غالي في الجزائر تكريس لعزلة سياسية وسقوط دبلوماسي
الوكالة
2025-05-01

تظهر الصور المتداولة لاستقبال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون لزعيم ميليشيا “البوليساريو”، إبراهيم غالي، مشهدا غير مألوف في الممارسة الدبلوماسية، يخرج عن القواعد المتعارف عليها بين الدول ذات السيادة، بل يثير السخرية من زاوية الأعراف الدولية. ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن يكون رئيس الجمهورية الجزائرية ممثلًا لكيان مستقل، يقدّم نفسه في موقع الداعم لمنتحل صفة رئيس “دولة” لا وجود لها فعليًا، ولا تحظى بأي اعتراف دولي مؤثر، بل تُدار بالكامل من داخل الأراضي الجزائرية وتحت وصاية سلطاتها الأمنية.
هذا اللقاء لم يكن مجرد فعل رمزي عابر، بل هو مرآة واضحة للإفلاس السياسي الذي يطبع توجهات النظام الجزائري، والذي يبدو عاجزًا عن التكيّف مع التحولات الجيوسياسية الراهنة. وبينما تواصل المملكة المغربية ترسيخ مكانتها كقوة إقليمية تحظى باحترام عواصم القرار الدولي، وتُفعّل شراكات متقدمة مع أوروبا والساحل، تتشبث الجزائر بخيارات منبوذة تتسبب في مزيد من العزلة والجمود.
استقبال غالي، الذي يقيم أصلًا داخل الجزائر، يعكس بوضوح حالة من الارتباك الدبلوماسي العميق، حيث لم يعد النظام قادرًا على تقديم رؤية عقلانية للقضايا الإقليمية، سواء في ما يتعلق بالأمن أو التنمية أو الهجرة. ورغم محاولاته اليائسة لاستعمال ملف الصحراء المغربية كأداة للتصعيد، فإن موازين الشرعية الدولية لم تعد تقيم وزنًا لخطابات الحرب الباردة، بل تُبنى على الواقعية والنجاعة.
في المقابل، يستمد المغرب زخمه من رؤية استراتيجية متكاملة، يقودها جلالة الملك محمد السادس، تقوم على تعزيز التعاون جنوب–جنوب، وتثبيت الاستقرار، وتحويل التنمية إلى أداة للتمكين والسيادة الاقتصادية. وهو ما جعل الرباط محل ثقة من طرف دول الساحل، التي تنظر إلى مشاريعها، وعلى رأسها مبادرة الواجهة الأطلسية، كنموذج تنموي فعلي، في الوقت الذي لا تزال فيه الجزائر تراهن على مساعدات مشروطة وخطابات جامدة.
أما في أوروبا، فقد أظهرت التحولات الأخيرة في مواقف إسبانيا وفرنسا حول قضية الصحراء المغربية مدى الانفصال المتزايد عن المقاربة الجزائرية، حيث اعتمدت مدريد موقفًا واضحًا بدعم الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وهو توجه يلقى صدى متزايدًا في عدد من العواصم الأوروبية. في مقابل ذلك، تزداد العلاقات الأوروبية–الجزائرية برودًا، بسبب غياب الدور البنّاء للجزائر ورفضها التفاعل الإيجابي مع الملفات الإقليمية الكبرى.
ولم يكن اللقاء الذي جمع تبون بغالي إلا تمثيلية بلا مضمون، تؤكد عمق المأزق الذي وصل إليه الخطاب الجزائري، فهو لقاء يجمع بين طرفين يتحركان ضمن المنظومة نفسها، ويحاولان تسويق مشروع فقد صدقيته. بل إن هذا النوع من اللقاءات لا يؤدي إلا إلى توسيع الهوة بين الجزائر وجوارها المغاربي، ويبعث بإشارات مقلقة إلى الداخل الجزائري، الذي يعاني من أزمات اجتماعية واقتصادية خانقة.
وفي ظل هذا الإصرار على الاستثمار في الورقة الانفصالية، تواصل الجزائر عزل نفسها عن محيطها، وتتناقض مع منطق المصالح المشتركة والتكامل المغاربي، مفرطة في فرص كان بإمكانها أن تجعل منها فاعلًا مهمًا في شمال إفريقيا والساحل. لكن الدبلوماسية لا تُبنى على أوهام ولا على دعم كيانات وهمية، بل على الواقعية واحترام السيادة، وهي مبادئ لم يدركها بعد صانع القرار في الجزائر.




