إخضاع ودائع المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات يعيد الجدل حول أولويات البرلمان

الوكالة

2026-06-23

صادقت لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين، الاثنين 22 يونيو 2026، بالإجماع على تعديل جديد ضمن مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة يقضي بإخضاع حسابات الودائع والأداءات الخاصة بالمحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، في خطوة اعتبرها وزير العدل عبد اللطيف وهبي تكريسا لالتزام سابق يهدف إلى تعزيز الشفافية والحكامة في تدبير الأموال المرتبطة بحقوق المتقاضين.

ويمنح التعديل الجديد للمجلس الأعلى للحسابات صلاحيات واسعة لمراقبة العمليات المالية والمحاسبية المتعلقة بحسابات الودائع والأداءات، بما يشمل عمليات الإيداع والسحب والتحويل والأداء، فضلا عن تتبع الأرصدة والفوائد والمصاريف المرتبطة بها، وذلك وفق الضوابط القانونية والتنظيمية المعمول بها.

كما تضمن التعديل مقتضى يمنع مجالس هيئات المحامين من اقتطاع أي مبالغ من الأموال المصفاة المودعة بحسابات الودائع والأداءات الخاصة بالمحامين وموكليهم، في إجراء يروم تعزيز حماية أموال المتقاضين وضمان عدم التصرف فيها خارج الإطار القانوني المحدد.

ويأتي هذا المستجد في سياق نقاش طويل رافق مشروع قانون المهنة، وشهد تباينا في المواقف بين وزارة العدل وعدد من هيئات المحامين التي عبرت في مراحل سابقة عن تخوفها من بعض المقتضيات التي اعتبرت أنها قد تمس باستقلالية المهنة أو توسع من دائرة التدخل في شؤونها الداخلية.

ويرى متتبعون أن إخضاع هذه الحسابات للرقابة المؤسساتية ينسجم مع متطلبات الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة أن الأموال المودعة بها لا تندرج ضمن الذمة المالية الخاصة بالمحامي، بل ترتبط بحقوق ومصالح المتقاضين والأطراف المعنية بالأحكام القضائية وعمليات التنفيذ والتعويضات المختلفة.

وفي المقابل، أعاد تمرير هذا التعديل فتح النقاش حول أولويات المؤسسة التشريعية ومدى قدرتها على التعامل بالوتيرة نفسها مع ملفات اقتصادية واجتماعية تحظى باهتمام واسع لدى الرأي العام، وفي مقدمتها ملف المحروقات وارتفاع الأسعار وانعكاساتها المباشرة على القدرة الشرائية للأسر المغربية.

وأثار عدد من المتابعين تساؤلات بشأن مدى استعداد البرلمان والحكومة لإبداء الحزم نفسه في القضايا المرتبطة بتنظيم سوق المحروقات وهوامش الأرباح وآليات حماية المستهلك، خاصة في ظل استمرار الجدل حول أسعار الوقود وتأثيرها على كلفة النقل والمواد الاستهلاكية والخدمات الأساسية.

كما عاد ملف شركة التكرير المغربية «لاسامير» إلى واجهة النقاش العمومي باعتباره أحد الملفات المرتبطة بالأمن الطاقي والسيادة الاقتصادية، حيث يرى عدد من الفاعلين أن إعادة تفعيل دور المصفاة أو إيجاد حلول نهائية لوضعيتها من شأنه أن يمنح المملكة هامشا أكبر في تدبير المخزون الاستراتيجي ومواجهة التقلبات التي تعرفها الأسواق الدولية للطاقة.

ويعتبر مراقبون أن المصادقة على إخضاع حسابات الودائع والأداءات للرقابة المالية تشكل خطوة مهمة في اتجاه تعزيز الثقة والشفافية داخل منظومة العدالة، غير أن الرهان الأكبر يظل في تعميم مبادئ الحكامة والمساءلة على مختلف القطاعات التي تؤثر بشكل مباشر في الحياة اليومية للمواطنين.

وفي انتظار استكمال المسار التشريعي لمشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة داخل مجلس المستشارين، يواصل الجدل السياسي والمهني حول حدود الإصلاح المطلوب، بين من يعتبر التعديل انتصارا لمبدأ الشفافية وحماية حقوق المتقاضين، ومن يرى أن الإصلاح الحقيقي ينبغي أن يمتد أيضا إلى الملفات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى التي ترتبط بالقدرة الشرائية والأمن الاقتصادي للمواطنين.

وبتمرير هذا التعديل يكون وزير العدل قد نجح في كسب واحدة من أبرز النقاط الخلافية داخل مشروع قانون المحاماة، غير أن النقاش حول التوازن بين تعزيز الرقابة المالية والحفاظ على استقلالية المهن القانونية يظل مفتوحا، شأنه شأن المطالب المتزايدة بتوسيع دائرة الإصلاح لتشمل قطاعات استراتيجية تمس بشكل مباشر معيش المواطنين ومستوى قدرتهم الشرائية.

تصنيفات