









أوروبا تختار المغرب.. والبوليساريو تتخبط في أوهامها والجزائر تفقد آخر أوراقها
الوكالة
2025-10-06

في لحظة فارقة تكشف التحولات العميقة في موازين القوة الدبلوماسية، تلقّت جبهة “البوليساريو” ومعها النظام الجزائري صفعة موجعة من الاتحاد الأوروبي الذي حسم موقفه الواقعي والسياسي باختيار شراكته الإستراتيجية مع المغرب، وتوقيع اتفاق جديد يدمج بوضوح المنتجات الفلاحية القادمة من الأقاليم الجنوبية في منظومة التبادل التجاري التفضيلي مع أوروبا. قرار سياسي بقدر ما هو اقتصادي، أعلن رسميًا نهاية مرحلة الابتزاز القانوني التي كانت تراهن عليها الجزائر وذراعها الانفصالي.
فبعد سنوات من التهليل لقرارات قضائية أوروبية كانت تُقدَّم في الإعلام الجزائري كـ”انتصارات قانونية”، تحوّلت نغمة “البوليساريو” فجأة إلى صراخٍ هستيري ضد الاتحاد الأوروبي، متهمةً إياه بـ“خرق القانون الدولي” و“الانحياز للمغرب”. لكن الحقيقة التي لا تستطيع الجبهة ولا أجهزتها الدعائية إنكارها، هي أن أوروبا لم تغيّر مبادئها، بل فقط وضعت النقاط على الحروف: المغرب هو الطرف الشرعي والوحيد في الصحراء، والتعامل معه يتم وفق منطق الدولة والسيادة، لا منطق الكيانات الوهمية.
البيان الغاضب الذي صدر من مخيمات تندوف ليس سوى مرآة لهزيمة سياسية مدوّية. فبعد نصف قرن من الاستثمار في الوهم، تجد “البوليساريو” نفسها اليوم أمام جدارٍ أوروبي متينٍ اختار الواقعية بدل المغالطة، والتنمية بدل المزايدة، والشراكة الفعلية بدل الشعارات. لم يعد الاتحاد الأوروبي مستعدًا للعب دور المتفرج على خرافة “تقرير المصير”، بل صار يدرك أن الأمن الإقليمي، والهجرة، والطاقة، ومكافحة الإرهاب، كلها ملفات لا يمكن ضمان استقرارها من دون المغرب.
أما في الجزائر، فقد خيّمت خيبة أمل ثقيلة على قصر المرادية الذي بنى لعقودٍ رهاناته الدبلوماسية على استغلال الورقة الأوروبية. فالمخزن الدبلوماسي للجنرالات نفد بالكامل، ولم تعد بيانات “اللجنة الوطنية للتضامن مع الشعب الصحراوي” تنطلي على أحد. كل “الوسائل القانونية” التي هدّدت بها الجبهة ليست سوى قنابل صوتية لطمأنة الداخل الجزائري المخدوع بخرافة “النضال من أجل الشعب الصحراوي”، في حين يعلم العالم بأسره أن تلك “القضية” ليست سوى مشروع استعماري قديم فشل في ثوبٍ جزائري جديد.
الاتفاق الجديد، الذي صيغ بعناية، لم يترك ثغرات يمكن التسلل منها كما في السابق. فقد استند إلى تشاور فعلي مع ممثلي الساكنة المحلية، من منتخبين وهيئات مهنية واقتصادية، وأثبت بالملموس أن سكان الأقاليم الجنوبية هم أصحاب القرار والمستفيد الأول من ثرواتهم. بذلك، قطع الاتحاد الأوروبي الطريق أمام أي طعن مستقبلي، وجعل من الاتفاق وثيقة سياسية واقتصادية محصنة قانونيًا وأخلاقيًا، تُكرّس مغربية الصحراء في الواقع المؤسساتي الأوروبي.
الدرس الذي لم تستوعبه “البوليساريو” بعد، هو أن زمن المتاجرة بالشعارات انتهى. فالعالم اليوم لا يصغي لأصوات تُبث من مخيمات معزولة، بل ينظر إلى من يصنع التنمية ويضمن الاستقرار. والمغرب، بشراكاته الواسعة وموقعه الإستراتيجي، بات ركيزة أساسية في السياسة الأوروبية تجاه إفريقيا والمتوسط، وهو ما يفسّر تحوّل موقف بروكسيل من الحياد الرمادي إلى الانحياز الواضح للشرعية.
إن هجوم “البوليساريو” على الاتحاد الأوروبي ليس إلا نوبة غضب من كيانٍ يحتضر، تديره سلطة عسكرية جزائرية فقدت البوصلة. فبينما يُعمّق المغرب حضوره الدولي ويعزز نموّه في صحرائه، تزداد الجزائر عزلة وانكماشًا، أسيرةَ عقدةٍ لم تجلب لها سوى الخسارة والفضيحة. والنتيجة اليوم واضحة: أوروبا اختارت المغرب، والبوليساريو والجزائر معًا خسروا آخر أوراقهم في لعبةٍ كانوا يظنونها لا تنتهي.




