أزمة السكن بمراكش.. حين تتحول القروض إلى حل مؤجل أمام واقع الأسعار

الوكالة

2026-10-06

أميـن زهيـر

تعيش مدينة مراكش على وقع مفارقة عقارية أصبحت تفرض نفسها بقوة على النقاش العمومي، فبينما تتواصل مشاريع البناء والتوسع العمراني وتُطرح آليات جديدة لتشجيع المواطنين على اقتناء السكن عبر القروض، يجد جزء كبير من الأسر نفسها أمام واقع مختلف تماماً، عنوانه ارتفاع الأسعار، ضعف القدرة الشرائية، وتزايد صعوبة الوصول إلى سكن لائق يتناسب مع الدخل الحقيقي للمواطن.

فالمشكل في مراكش لم يعد مرتبطاً فقط بغياب السكن، وإنما أصبح مرتبطاً أساساً بمدى قدرة المواطن على الوصول إليه. قد تكون هناك مشاريع سكنية، وقد تكون هناك مؤسسات مالية مستعدة لمنح القروض، لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: هل المواطن قادر فعلاً على تحمل تكلفة هذا السكن لعشرين أو ثلاثين سنة؟ وهل تسهيل الاقتراض يعني بالضرورة أن أزمة السكن قد وجدت طريقها إلى الحل؟

إن تشجيع القروض السكنية يمكن أن يكون جزءاً من الحل، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى البديل عن معالجة أصل المشكلة. فحين ترتفع أسعار العقارات بشكل يفوق تطور الأجور والدخل، فإن توسيع هامش الاقتراض قد يؤدي في بعض الحالات إلى نقل الأزمة من أزمة الحصول على السكن إلى أزمة تحمل الديون لسنوات طويلة.

وفي مراكش، حيث يعرف القطاع العقاري دينامية كبيرة بفعل المكانة السياحية والاستثمارية للمدينة، يصبح من الضروري طرح سؤال أساسي حول طبيعة السكن الذي يتم إنتاجه: هل يتم بناء مساكن تتناسب فعلاً مع حاجيات سكان المدينة، أم أن جزءاً مهماً من العرض العقاري أصبح موجهاً إلى الاستثمار والمضاربة والطلب ذي القدرة المالية المرتفعة؟

المواطن البسيط لا يبحث عن شقة فاخرة، ولا يريد أن يدخل في سباق عقاري يفوق إمكانياته، وإنما يريد مسكناً يحفظ كرامته ويمنحه الاستقرار. الموظف والعامل والشاب المقبل على الزواج والأسرة ذات الدخل المتوسط، جميعهم يجدون أنفسهم أمام معادلة صعبة: كراء يرتفع، أسعار عقار مرتفعة، مصاريف معيشة متزايدة، وفي المقابل أجور لا تواكب دائماً هذه التحولات.

والأخطر أن يتحول مفهوم “تسهيل الحصول على القرض” إلى شعار جذاب يخفي خلفه سؤالاً أكثر تعقيداً: ماذا عن القدرة على السداد؟ فالحصول على قرض قد يكون سهلاً نسبياً بالنسبة للبعض، لكن الاستمرار في أداء الأقساط لسنوات طويلة، مع تحمل مصاريف الأسرة والتعليم والصحة والنقل والكراء أو تكاليف الحياة اليومية، هو التحدي الحقيقي.

ومن هنا، فإن معالجة أزمة السكن بمراكش تحتاج إلى رؤية تتجاوز القطاع البنكي. المطلوب هو سياسة متكاملة تضع القدرة الشرائية للمواطن في صلب المعادلة، وتعمل على توفير عقار مناسب بأسعار معقولة، وتشجيع مشاريع حقيقية للسكن المتوسط والاجتماعي، والحد من المضاربة التي تساهم في رفع الأسعار، وربط التوسع العمراني بالحاجيات الفعلية للسكان.

كما أن السؤال المطروح اليوم ليس فقط: كم عدد الوحدات السكنية التي تم بناؤها؟ وإنما أيضاً: كم عدد الأسر التي تستطيع فعلاً شراء هذه الوحدات؟ لأن نجاح السياسة السكنية لا يقاس بعدد العمارات والمشاريع العقارية، بل بمدى قدرتها على جعل السكن في متناول المواطن.

مراكش مدينة تعرف تحولاً عمرانياً واقتصادياً سريعاً، لكن هذا التحول يجب ألا يجعل المواطن مجرد متفرج على ارتفاع قيمة العقار من حوله. فالسكن ليس سلعة عادية فقط، وإنما هو أساس للاستقرار الاجتماعي والأسري، وأحد أهم شروط العيش الكريم.

وفي النهاية، يبقى المواطن محتاجاً إلى منزل يستطيع شراءه، وليس فقط إلى قرض يستطيع توقيعه. وبين الاثنين توجد مسافة كبيرة اسمها القدرة الشرائية، وهي الحلقة التي ينبغي أن تكون في قلب أي مخطط حقيقي لمعالجة أزمة السكن بمراكش.

تصنيفات