









أخطاء إدارية تكلف الدولة 2.88 مليار درهم
الوكالة
2026-10-13

كشفت حصيلة منازعات الدولة برسم سنة 2025 عن مفارقة لافتة، تتمثل في ارتفاع عدد القضايا المعروضة على القضاء، مقابل تراجع قيمة المبالغ المحكوم بها ضد الدولة. ووفق معطيات التقرير السنوي للوكالة القضائية للمملكة، الصادر عن وزارة الاقتصاد والمالية، بلغت الأحكام المالية الصادرة ضد الدولة 2.88 مليار درهم، بانخفاض نسبته 25 في المائة مقارنة بالسنة السابقة، في وقت ارتفع عدد القضايا الجديدة بنسبة 8 في المائة، ليستقر في حدود 22 ألفا و910 ملفات.
ورغم تراجع الكلفة المالية للأحكام، فإن استمرار تدفق المنازعات يطرح تساؤلات بشأن نجاعة التدبير الإداري ومدى قدرة المؤسسات العمومية على تفادي الاختلالات التي تحول الخلافات التعاقدية والقرارات الإدارية إلى نزاعات قضائية مكلفة، خصوصا في ظل استمرار تسجيل ممارسات من شأنها تحميل ميزانية الدولة أعباء إضافية.
وأظهرت تفاصيل التقرير أن المنازعات الإدارية تصدرت الملفات الجديدة، بما مجموعه 12 ألفا و976 قضية، أي ما يعادل 56.71 في المائة من إجمالي القضايا المسجلة خلال السنة الماضية، مقابل 12 ألفا و308 قضايا في 2024، بزيادة بلغت 5.4 في المائة. وترتبط هذه المنازعات، أساسا، بتدبير المرافق العمومية وتنفيذ المشاريع الاستثمارية والأوراش الكبرى، فضلا عن الصفقات العمومية ونزع الملكية لأجل المنفعة العامة والطعون المتعلقة بمشروعية القرارات الإدارية.
وفي السياق نفسه، سجلت الملفات المعروضة على القضاء العادي ارتفاعا بنسبة 9.7 في المائة، لتصل إلى 8 آلاف و822 قضية، بينما انتقل عدد ملفات المساطر الحبية من 870 إلى 1082 ملفا، ما يعكس استمرار الضغط على آليات تدبير النزاعات، سواء أمام المحاكم أو عبر محاولات التسوية الودية.
وسلط التقرير الضوء على اختلالات إدارية وتعاقدية تسهم في تغذية عدد من المنازعات، خاصة في مجال الصفقات العمومية، حيث رصد حالات تسلم أشغال وخدمات وتوريدات دون تحرير محاضر التسليم المؤقت والنهائي، وهو ما يضعف وسائل إثبات الوضعية الفعلية للأشغال ومدى مطابقتها للالتزامات التعاقدية.
كما سجلت الوكالة القضائية للمملكة عدم احترام المساطر القانونية عند فسخ بعض الصفقات، وإنجاز أشغال إضافية خارج نطاق العقود الأصلية دون إبرام ملاحق تعاقدية، فضلا عن قبول طلبيات رغم وجود عيوب بها. وتبرز هذه الممارسات، بحسب ما أورده التقرير، مخاطر ضعف المراقبة والتوثيق، وما قد يترتب عنهما من خلافات بشأن المستحقات والتعويضات أمام القضاء.
ومن بين الحالات التي ترفع كلفة المنازعات، عدم اتخاذ بعض الإدارات الإجراءات اللازمة لإخراج المقاولات من الأوراش بعد فسخ الصفقات، الأمر الذي قد يفضي إلى صدور أحكام بالتعويض عن تجميد الآليات ومصاريف الحراسة. وقد تتجاوز المبالغ المطالب بها في بعض الملفات القيمة الأصلية للصفقة، بما يضاعف الأعباء المالية الناتجة عن سوء تدبير مراحل تنفيذ العقود وإنهائها.
ولا تقتصر أسباب المنازعات على الصفقات العمومية، بل تشمل أيضا قضايا التعويض عن الاعتداء المادي على العقارات، وعدم تنفيذ أحكام قضائية تقضي بإلغاء قرارات إدارية، إلى جانب الحوادث المرتبطة بالمرافق العامة، بما فيها الحوادث المدرسية، وهي ملفات تثير خلافات بشأن تحديد المسؤولية القانونية وتقدير التعويضات المستحقة.
وعلى المستوى المالي، بلغت المطالب المقدمة ضد الدولة نحو 6.04 مليارات درهم خلال 2025، مقابل 2.88 مليار درهم قيمة الأحكام الصادرة ضدها، بانخفاض يقارب 960 مليون درهم مقارنة بسنة 2024، التي سجلت خلالها الأحكام المالية ضد الدولة حوالي 3.84 مليارات درهم. وفي المقابل، وصلت قيمة المبالغ المحكوم بها لفائدة الدولة إلى نحو 1.29 مليار درهم.
وقدرت الوكالة القضائية للمملكة مجموع المبالغ التي تعتبر أنها وفرتها للخزينة بنحو 4.45 مليارات درهم، استنادا إلى احتساب الفارق بين المطالب المالية والأحكام الصادرة ضد الدولة، وإضافة المبالغ المحكوم بها لفائدتها. غير أن هذه الحصيلة لا تعني بالضرورة أن المبلغ المذكور يمثل وفورات نقدية تحققت فعليا خلال السنة، كما لا تكشف بمفردها عن حجم المبالغ التي أدتها الخزينة أو عن نسبة التعويضات الناتجة عن أخطاء إدارية ثابتة.
وأورد التقرير، في هذا الإطار، نماذج لقضايا أظهرت أهمية الوثائق والتحريات في تحديد المسؤوليات المالية للدولة. ففي نزاع يتعلق بالتعويض عن اعتداء مادي على عقار، قضت المحكمة الإدارية بالرباط ابتدائيا بأداء 45 مليونا و782 ألف درهم لفائدة المدعية، قبل أن تلغي محكمة الاستئناف الإدارية الحكم وتقضي بعدم قبول الطلب، بالنظر إلى الوضعية القانونية للعقار والحقوق والتقييدات المرتبطة به.
وبعد إقامة دعوى جديدة، باشرت الوكالة القضائية تحريات خلصت، وفق التقرير، إلى أن العقار يدخل ضمن الملك الخاص للدولة، وقدمت الوثائق المؤيدة لذلك، قبل أن تتنازل المدعية عن الدعوى، في تطور جنّب الدولة مواصلة النزاع بشأن المطالب المالية موضوع القضية.
وفي ملف آخر مرتبط بصفقة عمومية، نقضت محكمة النقض، في قرار صادر بتاريخ 15 ماي 2025، حكما استئنافيا كان قد أيد إلزام الإدارة بأداء 1.44 مليون درهم لفائدة شركة. واستند القرار إلى عدم مناقشة المحكمة وثائق تتعلق بالأداء والكشف الحسابي النهائي الموقع دون تحفظ من طرف المقاولة، مع إحالة القضية على المحكمة المختصة لإعادة البت فيها، دون أن يعني ذلك الحسم النهائي في رفض مطالب الشركة.
وفي إطار الحد من النزاعات، أفادت الوكالة بأنها حللت خلال السنة الماضية 10 آلاف و4 أحكام قضائية، ونظمت 31 دورة تكوينية، وعقدت 65 جلسة للتوفيق، في مسعى لتعزيز الوقاية من المنازعات وتطوير آليات التسوية الودية قبل اللجوء إلى التقاضي.
كما جرى إحداث شبكة للتنسيق والتعاون تضم الوكالة القضائية للمملكة وقطاعات وزارية، من بينها الداخلية والعدل والتجهيز والماء والتربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، بهدف تحسين تبادل المعلومات ورصد المخاطر القانونية المرتبطة بتدبير الشأن العام.
ورغم هذه التدابير، أقر عبد الرحمان اللمتوني، الوكيل القضائي للمملكة، باستمرار الحاجة إلى إصلاحات إضافية، داعيا إلى مراجعة الإطار القانوني المنظم لاختصاصات الوكالة، الذي يعود إلى سنة 1953، وإحداث منصة وطنية مندمجة لتتبع منازعات الدولة وتقييم نتائجها، إلى جانب تعزيز الموارد البشرية وآليات اليقظة القانونية داخل الإدارات.
وتؤكد هذه المعطيات أن تراجع قيمة الأحكام المالية ضد الدولة لا يكفي وحده للحكم على مدى تحسن التدبير الإداري، ما دام عدد القضايا الجديدة يواصل الارتفاع. ويظل تقليص كلفة المنازعات رهينا بمدى التزام الإدارات بالقواعد القانونية، وإحكام توثيق العقود والقرارات، واحترام المساطر التعاقدية، ومعالجة أسباب الخلافات في مراحلها الأولى، قبل أن تتحول إلى أحكام قضائية تثقل كاهل المالية العمومية.




