









“رحلة الضياع”.. عندما يصبح البحر مسرحًا للأحلام الغارقة
الوكالة
2025-02-26

بدر قلاج/ مراكش
على خشبة دار الشباب عرصة الحامض بباب دكالة – مراكش، انطلقت “رحلة الضياع”، ليس فقط كعرض مسرحي، بل كنافذة تفتح على واقع يعيشه كثيرون في صمت. المسرحية، من تأليف أحمد زيد مطرب، وسينوغرافيا وإخراج جمال، جسّدها كل من حسناء الحفاري، سهيل بن الطاهر، وعشور ساكو، الذين رسموا بلوحاتهم الحركية وصراخهم الصامت تفاصيل الحنين إلى وطن لم يعد يحتضن، والحلم بعبور بحر لا يرحم.

بين الضوء والظل، تتحرك الأجساد المنهكة بحثًا عن منفذ، عن فرصة للنجاة من واقع يخنق الأحلام.
تتحول الخشبة إلى قارب هش، يحمل طموحات ثقيلة وأقدارًا مجهولة، حيث تتعالى أصوات الشخصيات بين الخوف والرجاء، بين الإصرار على العبور والشك في جدوى الرحلة. السينوغرافيا لم تكن مجرد خلفية، بل كانت جزءًا من الحكاية، حيث لعبت الإضاءة دور البحر الذي يتلاعب بالمصائر، بينما رسمت الموسيقى إيقاع نبضات الهاربين نحو المجهول.

في قلب النص، تتجلى الهجرة السرية كحالة وجودية، لا كمجرد عبور جغرافي. إنها صراع بين الحلم والخذلان، بين أمل يجرّ صاحبه إلى الأمام وخوف يشده إلى الوراء. النص المسرحي لم يقدم الهجرة كقضية اجتماعية فحسب، بل كقدر يطارده سؤال أعمق: هل الهروب خلاص أم شكل آخر للضياع؟

الأداء التمثيلي جاء مكثفًا، حيث تنساب المشاعر بين الصراخ والصمت، بين نظرات تتشبث بالحياة وأخرى تستسلم للقدر. الشخصيات ليست مجرد أسماء، بل تجسيد لآلاف الأرواح التي تختفي في عرض البحر دون أثر. كل حركة، كل تنهيدة، كل تردد كان مرآة لعذابات لا تُرى، وصرخات لا تصل.

لم تكن “رحلة الضياع” مجرد قصة تُحكى، بل كانت شهادة على واقع يختلط فيه الحلم بالمأساة، والرحيل بالفقدان. هي ليست فقط عن الذين يركبون البحر، بل عن أولئك الذين يقفون على الشاطئ، ممزقين بين انتظار خبر سعيد أو خبر مأساوي.
في النهاية، يتركنا العرض أمام سؤال مفتوح: هل العبور انتصار أم سقوط آخر في قاع الضياع؟ وهل الحدود تُرسم على الخرائط، أم أنها حفرت في أقدار العابرين؟




