









المحكمة الدستورية تعيد رسم حدود التنظيم الذاتي للصحافة
الوكالة
2026-01-22

محمد البشيــري
حسمت المحكمة الدستورية في الطعن البرلماني الموجّه ضد القانون رقم 026.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، مُقِرّة عدم دستورية عدد من المقتضيات الجوهرية، مقابل تثبيت دستورية مواد أخرى، في قرار يضع حدوداً دقيقة بين سلطة المشرّع ومتطلبات التنظيم الذاتي المستقل للمهنة، ويرسم ملامح جديدة للصيغة النهائية للنص قبل دخوله حيز التنفيذ.
الطعن، الذي تقدم به 96 نائباً برلمانياً وسُجّل لدى الأمانة العامة للمحكمة بتاريخ 7 يناير 2026، استند إلى الفصل 132 من الدستور، واستهدف فحص مدى مطابقة تسع مواد لأحكامه. وقد اعتبرت المحكمة أن الإحالة استوفت شروطها الشكلية من حيث العدد والآجال، ما أتاح الانتقال إلى مناقشة الجوهر.
وعلى مستوى المسطرة التشريعية، لم تسجّل المحكمة أي إخلال بالإجراءات الدستورية، مؤكدة أن مشروع القانون عُرض على مجلس الحكومة في 3 يوليوز 2025، ثم أُودع بمجلس النواب في 7 يوليوز، وصودق عليه بعد إدخال تعديلات بتاريخ 22 يوليوز، قبل أن يُحال على مجلس المستشارين الذي صادق عليه دون تعديل في 24 دجنبر 2025.
أما جوهر الطعن، فقد انصبّ على مقتضيات اعتُبرت ماسّة بمبادئ دستورية مؤطرة للتنظيم الذاتي للصحافة، من قبيل المساواة، والتعددية، وضمانات المحاكمة العادلة، وفصل السلط، كما هي منصوص عليها في الفصول 6 و28 و118 و120 من الدستور. وبعد فحص دقيق، خلصت المحكمة إلى أن بعض هذه المقتضيات تُحدث اختلالاً بنيوياً داخل المجلس، فيما تمسّ أخرى بتوازن التمثيل المهني أو بحياد مساطر التأديب.
وفي هذا السياق، صرّحت المحكمة بعدم دستورية المادة 5 (البند ب)، معتبرة أن التركيبة العددية المعتمدة تمنح فئة الناشرين تمثيلية أوسع من تمثيلية الصحافيين المنتخبين، دون سند موضوعي أو معيار عقلاني يبرّر هذا التفاضل، بما يُخلّ بمبدأ التوازن الذي يفترض أن يحكم هيئة التنظيم الذاتي للمهنة.
وبالمنطق نفسه، قضت بعدم دستورية الفقرة الأخيرة من المادة 4، على أساس أن إسناد مهمة الإشراف على التقرير السنوي حصرياً لعضوين من فئة “الناشرين الحكماء” ينطوي على إقصاء ضمني للصحافيين من وظيفة مركزية في عمل المجلس، بما يمسّ مبدأ المشاركة المتكافئة داخل المؤسسة.
وفي ما يتصل بالتمثيلية المهنية، أسقطت المحكمة المادة 49، لكونها تتيح لمنظمة مهنية واحدة، هي الحاصلة على أكبر نسبة تمثيلية، الاستحواذ على جميع المقاعد المخصصة لفئة الناشرين، معتبرة أن هذا الاختيار التشريعي يفتح المجال لاحتكار التمثيل، ويتعارض صراحة مع مبدأ التعددية الذي يشكّل أحد أعمدة التنظيم الديمقراطي للمهنة.
أما في الشق التأديبي، فقد اعتبرت المحكمة أن المادة 93 لا تستجيب لمتطلبات الحياد والاستقلال، إذ تُدرج رئيس لجنة الأخلاقيات والقضايا التأديبية ضمن لجنة الاستئناف، بما يسمح للشخص نفسه بالمشاركة في اتخاذ القرار ثم في مراجعته، وهو وضع يتنافى مع ضمانات المحاكمة العادلة كما يكرّسها الدستور.
ومن تلقاء نفسها، نبّهت المحكمة إلى اختلال آخر يمسّ انسجام النص، ويتعلق بالفقرة الأولى من المادة 57، التي تشترط اختلاف الجنس بين رئيس المجلس ونائبه، معتبرة أن هذا الشرط قد يصبح غير قابل للتطبيق عملياً في غياب مقتضيات قانونية تضمن تمثيلية متوازنة للنساء والرجال داخل مختلف الفئات المهنية، ما يجعل النص عرضة للتعطيل.
في المقابل، اعتبرت المحكمة أن مواد أخرى مطعون فيها، من بينها المواد 9 و10 و13 و23 و44 و45 و55، لا تتضمن ما يخالف الدستور، مؤكدة أن بعض الاختيارات التشريعية، ولا سيما تلك المرتبطة بتحديد حالات العزل وضبط معاييرها، تندرج ضمن السلطة التقديرية للمشرّع متى استندت إلى أسس موضوعية ومعايير عقلانية.
وبناءً على ذلك، قضت المحكمة الدستورية بعدم دستورية المادة 4 في فقرتها الأخيرة، والمادة 5 (البند ب)، والمادة 49، والفقرة الأولى من المادة 57، والمادة 93، مع التصريح بمطابقة باقي المواد المفحوصة للدستور، وأمرت بتبليغ قرارها إلى الجهات المعنية ونشره في الجريدة الرسمية.
