ولاية االمرأة في رئاسة الحكومة بين الفقه الإسلامي ومتطلبات الدولة الحديثة

الوكالة

2026-10-02

أعاد الجدل حول تولي المرأة منصب رئاسة الحكومة إلى الواجهة سؤالًا فقهيًا وسياسيًا ظل حاضرًا في النقاش العام كلما وصلت امرأة إلى موقع متقدم في تدبير الشأن العام: هل تدخل رئاسة الحكومة ضمن الولاية العامة التي تناولها الفقهاء قديمًا، أم أن طبيعة الدولة الحديثة، بما تفرضه من مؤسسات ودستور وتوزيع للاختصاصات، تقتضي قراءة مختلفة لهذا المفهوم؟

ويستند الاتجاه الفقهي الذي يمنع المرأة من تولي الولاية الكبرى إلى الحديث النبوي الوارد في صحيح البخاري: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»، وهو الحديث الذي فهمه جمهور من الفقهاء باعتباره دليلًا على عدم تولي المرأة الولاية العامة الكبرى، مع وجود اختلاف بينهم في تحديد نطاق الولايات التي يشملها الحكم وتفاصيلها.

في المقابل، يرى اتجاه فقهي آخر أن إسقاط هذا الحكم على مؤسسات الدولة الحديثة يحتاج إلى قدر من التفصيل، بالنظر إلى الاختلاف بين مفهوم الولاية العظمى في الفقه السياسي الإسلامي القديم وبين المناصب التنفيذية المعاصرة. فرئيس الحكومة في النظام الدستوري الحديث لا يمارس بالضرورة صلاحيات مطلقة، وإنما يعمل داخل منظومة مؤسساتية تضبط اختصاصاته وتحدد علاقته بالسلطة التشريعية والقضائية وباقي مؤسسات الدولة.

ومن هذا المنطلق، أعادت التجربة المغربية طرح الإشكال بصيغة أكثر ارتباطًا بطبيعة المنصب، إذ يتركز النقاش حول ما إذا كانت رئاسة الحكومة تندرج ضمن الولاية العامة بالمعنى الذي قصده الفقهاء الأقدمون، أم أنها منصب تنفيذي حديث تحكمه قواعد دستورية ومؤسساتية تختلف عن نظام الحكم الذي كان قائمًا في مراحل تاريخية سابقة.

ولا يتعلق النقاش، من الناحية الفقهية، بتقييم أداء المرأة التي تتولى المنصب أو الحكم على تجربتها السياسية، وإنما بطبيعة الوظيفة نفسها ومدى انطباق الأحكام الفقهية المتعلقة بالولاية عليها. وهو ما يجعل التمييز بين الشخص والمنصب أمرًا أساسيًا في مقاربة المسألة.

ويستحضر النقاش كذلك قصة ملكة سبأ الواردة في القرآن الكريم، خصوصًا ما يتعلق بممارستها للحكم وتشاورها مع قومها وتدبيرها للموقف الذي واجهته في علاقتها بسليمان عليه السلام. ويذهب بعض الباحثين إلى أن ورود القصة بهذه الصورة يدل على أن مجرد تولي المرأة الحكم لم يقدم في النص القرآني باعتباره سببًا كافيًا للذم، بينما يرى آخرون أن القصة ذات طبيعة سردية ولا تشكل في حد ذاتها نصًا تشريعيًا عامًا يمكن بناء حكم فقهي شامل عليه.

كما أن استقراء التراث الفقهي يكشف أن الموقف من تولي المرأة مختلف المسؤوليات العامة لم يكن واحدًا في جميع صور الولايات، إذ اختلفت آراء العلماء باختلاف طبيعة المنصب والاختصاصات والصلاحيات المرتبطة به. لذلك، فإن إطلاق حكم واحد على مختلف المناصب السياسية والإدارية قد يتجاهل جانبًا من التعقيد الذي عرفه النقاش الفقهي نفسه.

ويطرح اختلاف بنية الدولة الحديثة عن النظم السياسية القديمة سؤالًا إضافيًا يتعلق بكيفية تنزيل الأحكام الفقهية على المؤسسات المعاصرة. فالدولة الحديثة تقوم على توزيع الصلاحيات بين مؤسسات متعددة، وتخضع ممارسة السلطة لقواعد دستورية وقانونية، بينما كان التصور التقليدي للولاية الكبرى مرتبطًا بنظام سياسي كانت فيه اختصاصات واسعة تتركز في يد الإمام أو الخليفة.

ويرى فقهاء معاصرون، انطلاقًا من هذا الاختلاف، أن تحديد الحكم المتعلق بتولي المرأة منصبًا سياسيًا حديثًا يستلزم النظر أولًا في طبيعة المنصب واختصاصاته الفعلية، بدل الاكتفاء بمقارنته بصورة الولاية التي تناولتها كتب الفقه السياسي القديمة. وفي المقابل، يتمسك اتجاه فقهي آخر بعموم الحديث النبوي، ويرى أن رئاسة الحكومة تندرج ضمن الولاية العامة، وبالتالي لا تخرج عن الحكم الذي قرره جمهور من الفقهاء بشأن الولاية الكبرى.

وبذلك، فإن حضور المرأة في موقع رئاسة الحكومة لا يحسم الخلاف الفقهي القائم، كما أن تطور مؤسسات الدولة لا يلغي تلقائيًا الرأي الفقهي الذي يرفض تولي المرأة للولاية العامة. ويظل جوهر الخلاف مرتبطًا بتحديد طبيعة السلطة التي يمارسها رئيس الحكومة في الدولة الحديثة، ومدى انطباق مفهوم الولاية العامة الوارد في التراث الفقهي عليها.

وتبدو المقاربة الأكثر دقة للمسألة قائمة على التمييز بين ثلاثة مستويات مترابطة ولكنها غير متطابقة: النصوص الشرعية، وفهم الفقهاء لهذه النصوص في سياقاتهم التاريخية، ثم طبيعة النظام السياسي والمؤسسات التي يراد تنزيل الحكم عليها. فالفصل بين هذه المستويات يسمح بفهم أسباب استمرار الخلاف، ويجنب اختزال قضية ذات أبعاد فقهية ودستورية وسياسية متعددة في إجابة واحدة.

وهكذا يظل سؤال ولاية المرأة لرئاسة الحكومة مفتوحًا على اجتهادات مختلفة، تتقاطع فيها قراءة النصوص مع تطور مفهوم الدولة ووظائف مؤسساتها. وبين من يربط رئاسة الحكومة بمفهوم الولاية العامة، ومن يميز بينها وبين الولاية العظمى التي عرفها الفقه السياسي الإسلامي، يستمر النقاش حول حدود تنزيل الأحكام الفقهية القديمة على مؤسسات الدولة الحديثة، وطبيعة السلطة التي يمارسها شاغل هذا المنصب في النظام الدستوري المعاصر.

بقلم: سلمى مخلص

تصنيفات