









هل تنجح الأحزاب السياسية في استعادة ثقة المواطن وصناعة مستقبل أفضل للشباب؟
الوكالة
2026-08-19

سقـــراط
تعيش الحياة السياسية اليوم مرحلة دقيقة تفرض على الأحزاب السياسية أن تعي، أكثر من أي وقت مضى، حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها، وأن تستحضر حجم انتظارات المواطن البسيط الذي لم يعد يبحث عن الخطابات المنمقة بقدر ما ينتظر حلولاً واقعية وملموسة لمشاكله اليومية.
المواطن اليوم يقيس جدوى العمل السياسي من خلال قدرته على الولوج إلى تعليم جيد، وخدمات صحية تحفظ كرامته، وفرص شغل مستقرة، وتحسين قدرته الشرائية، والاستفادة من خدمات عمومية فعالة، فضلاً عن شعوره بأن له صوتا مسموعا وأن انشغالاته تحظى بالمكانة التي تستحقها داخل النقاش العمومي.
جوهر السياسة لم يكن يوما تنافسا على المواقع أو وسيلة للوصول إلى المؤسسات المنتخبة، بل كان مسؤولية أخلاقية ووطنية تقتضي خدمة المصلحة العامة والإنصات إلى المجتمع والقدرة على تحويل المطالب الاجتماعية إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ.
ومن هذا المنطلق، فإن قوة الأحزاب لا ينبغي أن تقاس فقط بعدد المقاعد التي تحصل عليها في الاستحقاقات الانتخابية، وإنما بقدرتها على إنتاج الأفكار، وتقديم البدائل، وتأطير المواطنين، وتكوين الكفاءات، والمساهمة في بناء حلول حقيقية للإشكالات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه البلاد.. ما دون ذلك فلا جدوى ترجى من تلميع الشعارات.
قد تزداد هذه المسؤولية وضوحاً عندما يتعلق الأمر بالشباب، باعتبارهم أهم ركائز المجتمع وأبرز الفئات التي ستحدد ملامح المستقبل. فالشباب لا يبحث فقط عن فرصة عمل، بل يتطلع إلى منظومة متكاملة تمنحه القدرة على بناء حياة مستقرة وكريمة، من خلال تعليم ذي جودة، وتكوين يستجيب للتحولات المتسارعة في سوق الشغل، وفرص حقيقية للمبادرة والاستثمار، وفضاءات للمشاركة في الحياة العامة. ولذلك، لم يعد مقبولاً التعامل مع الشباب باعتباره مجرد كتلة انتخابية تستقطب خلال الحملات، بل ينبغي النظر إليه باعتباره شريكاً أساسياً في صياغة السياسات والبرامج وفي صناعة القرار.
كما أن تجديد الخطاب السياسي أصبح ضرورة لا خياراً. فالأجيال الجديدة تعيش في بيئة مختلفة، وتتفاعل مع قضاياها عبر وسائل وأساليب جديدة، وأصبحت أكثر قدرة على الوصول إلى المعلومات ومقارنة المواقف ومساءلة الفاعلين السياسيين. لذلك فإن الخطاب الذي يقوم على الوعود العامة والشعارات المستهلكة لن يكون قادراً على استعادة ثقة المواطن، ما لم يستند إلى الواقعية والوضوح والقدرة على تقديم إجابات مقنعة. والمطلوب اليوم هو الانتقال من خطاب انتخابي ظرفي إلى خطاب سياسي مستمر، يقوم على الصراحة والشفافية ويضع المواطن أمام حقيقة الإمكانات والتحديات والنتائج.
ومن جهة أخرى، فإن استعادة ثقة المواطن تقتضي بناء علاقة جديدة بين المجتمع والأحزاب، تقوم على المساءلة والإنصات والمشاركة المستمرة، لا على التواصل الموسمي الذي يزداد خلال الاستحقاقات الانتخابية ثم يتراجع بعد انتهائها. فالمواطن يريد أن يعرف ما الذي تحقق من الوعود، وما الذي تعذر إنجازه، ولماذا، وما هي البدائل المقترحة. كما يريد أن يشعر بأن الأحزاب قريبة من واقعه اليومي، وأنها قادرة على نقل صوته وانشغالاته إلى المؤسسات وتحويل مطالبه إلى سياسات وبرامج، بدل أن يبقى مجرد رقم في الحسابات الانتخابية.




