الزواج والطلاق في المغرب.. أرقام تكشف تحولات عميقة في بنية الأسرة

الوكالة

2026-08-11

محمد نشوان

لم يعد الزواج في المغرب مؤسسة اجتماعية ثابتة كما كان في السابق، بل أصبح يعيش تحولات متسارعة تعكس تغير أنماط التفكير والعيش، وتبدل الأولويات الاقتصادية والاجتماعية لدى المغاربة. وفي المقابل، تكشف أرقام الطلاق والتطليق عن حجم الضغوط التي أصبحت تواجه الحياة الزوجية.

وتشير أحدث المعطيات الرسمية إلى أن محاكم المملكة عالجت خلال سنة 2024 أكثر من 178 ألف قضية طلاق وتطليق، بمعدل يقارب 488 قضية يوميًا.
ووفق التقرير السنوي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، توزعت هذه القضايا بين 134 ألفًا و683 ملف تطليق و43 ألفًا و607 ملفات طلاق، فيما بلغ عدد الملفات التي تم الحكم فيها 150 ألفًا و263 ملفًا.

وفي المقابل، تكشف معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 عن تحول لافت في أنماط الزواج. فقد بلغ معدل العزوبة في سن 50 سنة لدى النساء 12.4%، بعدما كان في حدود 4.5% سنة 2004، بينما ارتفع لدى الرجال إلى 9.7% مقابل 4.9% سنة 2004.

وهنا تكمن أهمية الرقم، فالمقصود بـ«العزوبة في سن 50» هو نسبة الأشخاص الذين لم يسبق لهم الزواج عند بلوغ سن الخمسين، وليس نسبة جميع النساء اللواتي تجاوزن هذا السن. وبالتالي، فإن القول إن «12% من النساء فوق 50 سنة لم يسبق لهن الزواج» ليس التعبير الإحصائي الدقيق للمعطى الرسمي.

وتكشف الأرقام الرسمية أيضًا عن تحول مهم في سن الزواج؛ فقد بلغ متوسط سن الزواج الأول سنة 2024 حوالي 24.6 سنة بالنسبة للنساء و32.4 سنة بالنسبة للرجال. ويعكس هذا الفارق بين الجنسين واقعًا ديموغرافيًا واجتماعيًا له تأثير مباشر على تكوين الأسر والإنجاب وبنية المجتمع.

و الأرقام وحدها لا تكفي للحكم بأن المجتمع المغربي يعيش «أزمة زواج»، لكنها تؤكد وجود تحول عميق في مؤسسة الأسرة.

فارتفاع العزوبة إلى سن الخمسين، وارتفاع أعداد قضايا الطلاق والتطليق، إلى جانب تغير سن الزواج وأنماط الاختيار، كلها مؤشرات على أن العلاقة بين الفرد والزواج والأسرة لم تعد كما كانت قبل عقود.

وتتداخل في تفسير هذه التحولات عوامل عديدة، من بينها ارتفاع تكاليف المعيشة والسكن، وصعوبة الحصول على عمل مستقر، وارتفاع سقف التوقعات لدى المقبلين على الزواج، إلى جانب التحولات الثقافية والتعليمية وتغير أدوار المرأة والرجل داخل الأسرة.

كما أن ارتفاع الطلاق لا يمكن تفسيره بعامل واحد. فخلف كل ملف قضائي قصة اجتماعية مختلفة؛ بعضها يرتبط بالخلافات الزوجية، وبعضها بالوضع الاقتصادي، وبعضها بتغير النظرة إلى الزواج نفسه، وباتساع قدرة الطرفين على اللجوء إلى القضاء لإنهاء علاقة لم تعد قابلة للاستمرار.

إن المؤشرات الديموغرافية الجديدة تفرض نقاشًا هادئًا يتجاوز لغة التخويف والتجريم والاتهام. فالمطلوب ليس فقط التساؤل عن أسباب ارتفاع الطلاق أو تأخر الزواج، وإنما البحث أيضًا عن الظروف التي تجعل الزواج أكثر استقرارًا، وتساعد الشباب على بناء أسر قادرة على مواجهة التحولات الاقتصادية والاجتماعية.

إن أرقام سنة 2024 لا تقول إن الزواج المغربي يحتضر، لكنها تقول بوضوح إن المجتمع المغربي يتغير، والأسرة تتغير معه.

وبين ارتفاع قضايا الطلاق والتطليق إلى أكثر من 178 ألف ملف، وبلوغ العزوبة في سن الخمسين لدى النساء 12.4%، وتغير سن الزواج الأول، تبدو مؤسسة الزواج أمام أسئلة جديدة لم يعد من الممكن تأجيلها.

والسؤال الحقيقي اليوم ليس: لماذا يتزوج المغاربة أقل أو يطلقون أكثر؟

بل ربما أصبح السؤال الأهم:

كيف يمكن بناء أسرة مغربية جديدة، قادرة على الاستمرار في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع؟

تصنيفات