أربعة أشهر حبسا لمتهمة بانتحال صفة صحفية بمراكش

الوكالة

2026-08-08

أسدلت المحكمة الابتدائية بمراكش الستار على ملف قضائي أثار اهتماما في الأوساط الإعلامية والقانونية، بعدما أصدرت حكما بإدانة المتهمة (د.ك.) في قضية تتعلق بانتحال صفة صحفية، في سياق أعاد إلى الواجهة النقاش حول حدود ممارسة النشر عبر المنصات الإلكترونية والمسؤولية القانونية المترتبة عن استعمال صفة مهنية دون سند قانوني.
وجاء الحكم، الحامل للرقم 2837 والصادر بتاريخ 4 غشت 2026، ليحسم في القضية المعروضة على المحكمة، بعدما قضت بقبول التعرض شكلا، قبل أن تنتقل إلى البت في الموضوع، حيث انتهت إلى إدانة المتهمة بأربعة أشهر حبسا وغرامة نافذة قدرها ألف درهم.
ولم يقتصر منطوق الحكم على الجانب الزجري، إذ فصلت المحكمة كذلك في المطالب المدنية، وقضت بإلزام المتهمة بأداء تعويض مدني قدره 60 ألف درهم لفائدة المطالب بالحق المدني، إلى جانب الصائر والإجبار في الأدنى، فيما رفضت طلب النفاذ المعجل.

ويأتي الحكم بعد مسار قضائي امتد خلال الفترة الماضية وأثار اهتمام عدد من المتابعين، بالنظر إلى طبيعة القضية وما ارتبط بها من نقاش حول صفة الصحفي، ومشروعية استعمالها، والمسؤولية المترتبة عن الممارسات التي تتم عبر وسائل النشر الحديثة.
وتكتسي القضية أهمية بالنظر إلى تداخل عدد من العناصر المرتبطة بالممارسة الإعلامية في العصر الرقمي، حيث أصبح بإمكان الأفراد نشر الأخبار والتعليقات والمواقف على نطاق واسع، سواء عبر المواقع الإلكترونية أو صفحات ومنصات التواصل الاجتماعي.
غير أن اتساع دائرة النشر وتعدد الوسائط لا يعني، في المقابل، أن استعمال الصفة الصحفية أو تقديم الشخص نفسه باعتباره ممارسا لمهنة منظمة قانونا يظل خارج نطاق الضوابط القانونية.
ومن هنا برزت في هذه القضية مسألة انتحال الصفة الصحفية باعتبارها نقطة أساسية في النزاع الذي عرض على القضاء، إلى جانب ما يرتبط بمسؤولية استعمال المنصات الإلكترونية وما يمكن أن يترتب عن المضامين المنشورة من آثار قانونية ومدنية.

وبالتوازي مع العقوبة الجنائية، حسمت المحكمة في الجانب المدني من الملف، إذ ألزمت المتهمة بأداء مبلغ 60 ألف درهم لفائدة المطالب بالحق المدني.
ويكتسي هذا القرار أهمية من الناحية القانونية، باعتبار أن القضية لم تنته فقط إلى ترتيب عقوبة في الجانب الزجري، وإنما شملت أيضا جبر الضرر من خلال التعويض المدني الذي حددته المحكمة في المبلغ المذكور.
كما قضت المحكمة بالصائر والإجبار في الأدنى، في حين رفضت طلب النفاذ المعجل، وهي عناصر وردت ضمن منطوق الحكم الصادر في القضية.
وبذلك جمع الحكم بين الجزاء الجنائي المتمثل في الحبس والغرامة، والجانب المدني المتمثل في التعويض، بما يعكس تعدد الآثار التي يمكن أن تترتب عن الوقائع موضوع النزاع متى ثبتت مسؤولية المعني بالأمر أمام القضاء.

وأعاد الملف إلى الواجهة النقاش بشأن مفهوم الصفة الصحفية، خصوصا في ظل التحولات التي شهدها قطاع الإعلام خلال السنوات الأخيرة، والانتقال المتزايد نحو النشر الإلكتروني.
فممارسة الصحافة لا ترتبط فقط بامتلاك وسيلة لنشر المحتويات أو إنشاء صفحة إلكترونية أو موقع على شبكة الإنترنت، وإنما ترتبط بإطار مهني وقانوني يحدد شروط الممارسة والمسؤوليات المرتبطة بها.
كما أن تقديم الشخص نفسه للجمهور بصفته صحفيا يترتب عنه، من الناحية المهنية، عدد من الالتزامات المرتبطة بالدقة والتحقق واحترام حقوق الأشخاص والتمييز بين الخبر والرأي، فضلا عن احترام القواعد المنظمة لمهنة الصحافة والنشر.
وتزداد أهمية هذه الضوابط في ظل سرعة انتشار المحتويات الرقمية، إذ يمكن لمنشور واحد أن يصل في وقت وجيز إلى عدد كبير من المتابعين، الأمر الذي يجعل المسؤولية عن النشر مسألة أساسية لا يمكن فصلها عن حرية التعبير.

وأعاد الحكم كذلك النقاش حول المسؤولية في الفضاء الرقمي، في ظل تنامي استعمال المنصات الإلكترونية في نشر الأخبار والتعليقات والاتهامات والانتقادات.
فالحق في التعبير يظل من الحقوق الأساسية، غير أن ممارسته لا تعني إلغاء المسؤولية القانونية عندما تتوافر عناصر أفعال يعاقب عليها القانون.
وتتجلى أهمية هذه المسألة خصوصا عندما تنتقل بعض المضامين من نطاق النقد أو إبداء الرأي إلى أفعال يمكن أن تمس بسمعة الأشخاص أو اعتبارهم، إذ يصبح القضاء الجهة المختصة بتحديد طبيعة الوقائع ومدى توافر العناصر القانونية اللازمة لترتيب المسؤولية.
وفي هذا الإطار، يكتسب اللجوء إلى القضاء أهمية خاصة، باعتباره المسار المؤسساتي الذي يسمح بعرض الوقائع ومناقشة الحجج والدفوع، قبل إصدار الحكم وترتيب الآثار القانونية المترتبة عنه.
نهاية للمحاكمة خارج المنصات
وتطرح القضية، في جانب آخر، مسألة ما أصبح يعرف بالمحاكمات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تتحول بعض النزاعات إلى سجالات مفتوحة أمام الرأي العام، قبل أن تفصل فيها الجهات القضائية المختصة.
غير أن الحكم القضائي يظل مختلفا عن الأحكام التي تصدر في الفضاء الرقمي، إذ يستند إلى مسطرة قانونية وإلى مناقشة الملف أمام المحكمة، قبل أن تنتهي الهيئة القضائية إلى منطوق ملزم وفق ما تقرره في القضية المعروضة عليها.
ومن شأن هذا النوع من القضايا أن يعيد التأكيد على ضرورة عدم الخلط بين ممارسة حق التعبير وبين إصدار الأحكام في حق الأشخاص خارج المؤسسات المخولة قانونا للبت في النزاعات.

وأثار الملف، منذ بدايته، اهتمام عدد من الفاعلين في الحقل الإعلامي، بالنظر إلى ما يطرحه من أسئلة مرتبطة بحماية مهنة الصحافة من الممارسات التي قد تسيء إلى صورتها ومصداقيتها.
وتتمثل إحدى الإشكالات المطروحة في التمييز بين الصحفي الذي يمارس عمله في إطار القواعد المهنية، وبين أشخاص قد يستعملون الصفة الصحفية أو وسائل النشر لأغراض لا ترتبط بالعمل الإعلامي المهني.
ويعتبر هذا التمييز ضروريا للحفاظ على مصداقية العمل الصحفي، خصوصا في ظل التطور الكبير الذي عرفه الإعلام الرقمي، والذي جعل عملية إنتاج المحتوى ونشره متاحة أمام جمهور واسع.
وفي المقابل، فإن حماية المهنة تظل مرتبطة كذلك باحترام حرية الصحافة وحرية التعبير، وعدم الخلط بين النقد المشروع والممارسات التي يمكن أن تشكل تجاوزا للقانون.

وبحسب منطوق الحكم، فقد انتهت المحكمة الابتدائية بمراكش إلى إدانة المتهمة (د.ك.) بأربعة أشهر حبسا وغرامة نافذة قدرها ألف درهم.
كما قضت في الدعوى المدنية بأداء تعويض قدره 60 ألف درهم لفائدة المطالب بالحق المدني، مع الصائر والإجبار في الأدنى.
وفي المقابل، رفضت المحكمة طلب النفاذ المعجل، ليكتمل بذلك منطوق الحكم في شقه الجنائي والمدني.
ويضع هذا القرار حدا للمسار القضائي الذي عرفته القضية أمام المحكمة الابتدائية بمراكش، ويفتح في الوقت نفسه نقاشا أوسع حول المسؤولية المرتبطة باستعمال الصفات المهنية في المجال الإعلامي، خصوصا في ظل الانتشار المتزايد للمنصات الرقمية.

وتبرز القضية في النهاية أن الصحافة ليست مجرد صفة أو وسيلة للوصول إلى الجمهور، وإنما ممارسة مهنية تحكمها قواعد قانونية وأخلاقية، وترتبط بحقوق وواجبات ومسؤوليات.
كما أن امتلاك وسيلة إلكترونية للنشر لا يمنح تلقائيا صفة الصحفي، ولا يجعل المحتويات المنشورة بمنأى عن القواعد القانونية، إذ تظل المسؤولية قائمة متى ثبتت عناصرها أمام القضاء.
وبين الحق في التعبير وضرورة حماية حقوق الأفراد، يبقى القضاء الجهة المختصة بالفصل في النزاعات وتحديد المسؤوليات، بعيدا عن التشهير المتبادل أو المحاكمات الافتراضية التي قد تسبق أحيانا صدور الأحكام القضائية.
ويعيد الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بمراكش التأكيد على أهمية الاحتكام إلى القانون في القضايا المرتبطة بالنشر والصفات المهنية، وعلى أن حرية التعبير، مهما كانت مساحتها، تظل مرتبطة بالمسؤولية واحترام حقوق الغير.
وبصدور الحكم رقم 2837 بتاريخ 4 غشت 2026، تكون المحكمة قد حسمت في الملف المعروض عليها، بإقرار عقوبة حبسية وغرامة في الجانب الجنائي، وتعويض مدني في الجانب المدني، في قضية أعادت إلى الواجهة واحدة من أبرز الإشكالات التي يفرضها توسع الإعلام الرقمي، وهي حدود الصفة والمسؤولية ومتى تتحول ممارسة النشر من حق مشروع إلى فعل تترتب عنه مسؤولية أمام القضاء.

تصنيفات