









المجلس الاقتصادي يرصد تحديات الدولة الاجتماعية
الوكالة
2026-08-06

سجل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي استمرار الحوار القطاعي خلال سنة 2025، خاصة داخل القطاعات الأكثر عرضة للتوترات الاجتماعية، وفي مقدمتها التربية الوطنية والصحة والتعليم العالي، معتبرا أن مواصلة هذا المسار ساهمت في الحفاظ على فضاءات للتشاور داخل قطاعات أساسية تضطلع بأدوار محورية في تنزيل ورش الدولة الاجتماعية.
وأكد المجلس، ضمن تقريره السنوي برسم سنة 2025، المرفوع إلى الملك محمد السادس، أن صدور القانون التنظيمي رقم 97.15 المتعلق بتحديد شروط وكيفيات ممارسة الحق في الإضراب يمثل محطة مهمة في تنظيم ممارسة هذا الحق الدستوري، بالنظر إلى سعيه إلى تحقيق التوازن بين ضمان الحق في الإضراب والحفاظ على استمرارية المرافق والخدمات الأساسية.
وأوضح التقرير أن تفعيل مقتضيات القانون التنظيمي المذكور يفرض إرساء توازن مستدام بين الضمانات الدستورية المرتبطة بالحق في الإضراب، والأمن القانوني لمختلف الأطراف المعنية بعلاقات الشغل، فضلا عن تعزيز القدرة المؤسساتية على الوقاية من التوترات الاجتماعية والحد من أسبابها.
وفي السياق ذاته، رصد المجلس مواصلة تنفيذ الالتزامات المترتبة عن الاتفاقات الاجتماعية، ولا سيما صرف الشطر الثاني من الزيادة العامة في أجور موظفي القطاع العام، إلى جانب استمرار تنزيل عدد من الأوراش الإصلاحية ذات الطابع الهيكلي، وفي مقدمتها إصلاح مدونة الشغل، وأنظمة التقاعد، وتأطير ممارسة الحق في الإضراب.
واعتبر المجلس أن تثمين هذه المكتسبات يظل مرتبطا بمدى نجاعة تنزيل الالتزامات المتفق بشأنها، وتعزيز آليات المفاوضات الجماعية، والارتقاء بدور جهاز تفتيش الشغل، فضلا عن ضمان قدرة مؤسسات وآليات الحوار الاجتماعي على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها المملكة.
وفي ما يتعلق بورش الدولة الاجتماعية، اعتبر المجلس أن سنة 2025 شكلت مرحلة جديدة انتقل فيها النقاش من مجرد توسيع نطاق البرامج والتدابير الاجتماعية إلى التركيز على مدى فعاليتها وانعكاساتها الملموسة على حياة المواطنين.
وأوضح التقرير أن نجاح هذا الورش لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد المستفيدين أو حجم البرامج المنجزة، وإنما أيضا بالأثر الفعلي للإصلاحات على مسارات حياة المواطنات والمواطنين، وجودة الخدمات العمومية، وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، وضمان استدامة البرامج والتدابير، فضلا عن تعزيز الثقة في الفعل العمومي.
وبخصوص إصلاح منظومة الحماية الصحية، نبه المجلس إلى أن توسيع نطاق التغطية الصحية لا يكفي، في حد ذاته، لضمان تحقيق النتائج المنتظرة، ما لم تتم مواكبته بتعزيز قدرات المنظومة الصحية الوطنية.
وأشار التقرير إلى أن استدامة الإصلاحات الصحية تقتضي توفير الموارد البشرية الضرورية، وتحسين جاذبية العرض الصحي العمومي، وضمان الولوج المنتظم إلى الأدوية والمعدات الطبية، إضافة إلى تسريع الإدماج الفعلي للتكنولوجيا الرقمية في مختلف مراحل ومسارات العلاج.
وفي ما يتعلق بالدعم الاجتماعي المباشر، سجل المجلس أن الرهان الأساسي خلال المرحلة المقبلة يتمثل في تحسين جودة الاستهداف، وضمان التكامل بين هذه الآلية ومختلف مكونات منظومة الحماية الاجتماعية، مع إخضاع آثارها الاجتماعية والمجالية للتقييم المنتظم، بما يسمح بقياس مدى وصول الدعم إلى الفئات المستحقة وفعاليته في الحد من الهشاشة.
وفي مجال التربية والتكوين والتعليم العالي، أبرز التقرير أن الموسم الدراسي والجامعي 2025-2026 تميز بتوسيع شبكة مؤسسات الريادة، ومواصلة تعميم التعليم الأولي، وتعزيز آليات دعم التمدرس، إلى جانب توسيع العرض التكويني في مختلف المسارات.
ورغم ما اعتبره المجلس تقدما على مستوى توسيع العرض، فإن الرهان، حسب التقرير، ينتقل في المرحلة المقبلة إلى تحسين جودة التعلمات والحد من الهدر المدرسي، فضلا عن تعزيز ملاءمة التكوين مع الحاجيات المتغيرة للاقتصاد الوطني وسوق الشغل.
وشدد المجلس على أن فعالية منظومة التكوين لا ترتبط فقط بتوسيع عدد المؤسسات والتخصصات، وإنما أيضا بقدرتها على تزويد المتعلمين بالمهارات المطلوبة، ورفع قابلية اندماجهم في سوق الشغل، وتعزيز مساهمة التكوين في الإدماج المهني والاقتصادي.
أما في مجال السكن، فأكد التقرير أن النتائج المحققة تعكس تقدما في تعزيز الولوج إلى السكن، غير أن تطور انتظارات المواطنين نقل مركز الاهتمام إلى قضايا تتجاوز توفير المسكن في حد ذاته، لتشمل جودة السكن وملاءمة محيطه العمراني والاجتماعي.
وأشار المجلس إلى أن السكن الملائم ينبغي أن يكون جزءا من فضاء عيش متكامل يضمن القرب من فرص الشغل، وخدمات النقل، والمؤسسات التعليمية، والمرافق الصحية، بما يعزز شروط العيش الكريم ويحد من مظاهر التفاوت المجالي.
وفي الشق المتعلق بالفئات الهشة، حذر المجلس من استمرار عوامل الهشاشة البنيوية المرتبطة بتزويج الطفلات، مسجلا أن هذه الظاهرة تظل متصلة بعدد من العوامل، من بينها الانقطاع عن الدراسة، والتفاوتات المجالية، والفوارق بين الجنسين.
ويرى المجلس أن استمرار هذه العوامل يثير تساؤلات حول مدى تحقق الطابع الاستثنائي للإذن القضائي بزواج القاصرين، خاصة في ظل استمرار تسجيل حالات زواج لفتيات في سن مبكرة وما يرتبط بذلك من آثار اجتماعية وتربوية واقتصادية.
وتوقف التقرير، كذلك، عند ظاهرة العنف ضد الأطفال، باعتبارها إحدى أبرز مظاهر هشاشة هذه الفئة، مع تسجيل وضعية أكثر إثارة للقلق بالنسبة إلى الفتيات، إذ تظل مستويات العنف المصرح به لدى الفتيات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15 و19 سنة مرتفعة، مع انتشار أكبر في الوسط الحضري.
وأكد المجلس أن الحد من هذه الظاهرة يتطلب الانتقال من التدخل بعد وقوع حالات العنف إلى تعزيز آليات الوقاية والكشف المبكر، وتقوية مسارات التبليغ، وتوفير المواكبة النفسية والاجتماعية للضحايا، إلى جانب تحسين التنسيق بين مختلف المتدخلين في القطاعات التربوية والاجتماعية والصحية والقضائية.
وفي ما يخص تشغيل الأطفال، أورد التقرير معطيات تكشف استمرار المنحى التنازلي لهذه الظاهرة، إذ بلغ عدد الأطفال النشيطين المشتغلين الذين تتراوح أعمارهم بين 7 و17 سنة نحو 103 آلاف طفل سنة 2025، مسجلا تراجعا يقارب 59 في المائة مقارنة مع سنة 2017.
غير أن انخفاض العدد الإجمالي للأطفال المشتغلين لا يلغي استمرار مظاهر مقلقة مرتبطة بهذه الظاهرة، إذ أوضح المجلس أن 88 في المائة من الأطفال المشتغلين غادروا المدرسة، فيما يزاول 58.4 في المائة منهم أشغالا خطيرة، ما يعكس استمرار الارتباط الوثيق بين الهدر المدرسي وتشغيل الأطفال.
واعتبر المجلس أن هذه المعطيات تؤكد الطابع المتعدد الأبعاد للظاهرة، التي لا يمكن تفسيرها بعامل اقتصادي واحد، وإنما تنتج عن تداخل الهشاشة الاقتصادية للأسر، وضعف ظروف العيش، وتعثر المسارات التعليمية، إلى جانب عوامل اجتماعية ومجالية أخرى.
وفي هذا الإطار، يرى المجلس أن الدعم الاجتماعي المباشر يمكن أن يشكل رافعة إضافية للوقاية من تشغيل الأطفال، من خلال تخفيف الضغوط الاقتصادية التي تواجه الأسر الأكثر هشاشة، غير أن فعاليته تظل مرتبطة بإدماجه ضمن سياسة اجتماعية وتربوية متكاملة.
وشدد التقرير على أهمية اعتماد مقاربة مندمجة تقوم على إبقاء الأطفال داخل منظومة التربية والتكوين، والوقاية من الهدر المدرسي، ومواكبة الأسر، وتعزيز آليات الرصد والتدخل، بما يضمن عدم تحول الوضعية الاقتصادية والاجتماعية للأسرة إلى عامل يدفع الأطفال إلى مغادرة المدرسة والولوج المبكر إلى سوق الشغل.
وتخلص خلاصات المجلس إلى أن المرحلة المقبلة من ورش الدولة الاجتماعية تتطلب الانتقال من منطق توسيع نطاق الاستفادة من البرامج إلى منطق قياس أثرها وجودتها واستدامتها، مع تعزيز التنسيق بين مختلف السياسات العمومية، وربط الدعم الاجتماعي بإصلاح الخدمات الأساسية، خصوصا الصحة والتعليم والسكن والتشغيل، بما يجعل الحماية الاجتماعية أكثر قدرة على الحد من الهشاشة وتقليص الفوارق وتعزيز الاندماج الاجتماعي.




