









جدل داخل الأغلبية حول رقابة مجلس الحسابات على ودائع المحامين ينتهي بالمصادقة على المادة المثيرة للخلاف
الوكالة
2026-07-03

فجرت المادة 75 من مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة نقاشا سياسيا وقانونيا غير مسبوق داخل لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب، بعدما وجه نواب الأغلبية انتقادات حادة للمقتضى الذي يقضي بإخضاع حساب ودائع وأداءات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، قبل أن ينتهي النقاش بتصويتهم لصالح الإبقاء على المادة كما أحالها مجلس المستشارين، في مشهد عكس التباين بين المواقف المعلنة ونتائج التصويت.
وصادقت اللجنة، خلال اجتماعها المنعقد أمس الخميس، على الصيغة الواردة من مجلس المستشارين بأغلبية 17 صوتا، مقابل معارضة خمسة نواب من فرق المعارضة، دون تسجيل أي امتناع، رغم أن مداخلات أعضاء فرق الأغلبية الثلاثة، التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال، أجمعت على إثارة تحفظات قانونية ودستورية بشأن منح المجلس الأعلى للحسابات اختصاص مراقبة حسابات الودائع الخاصة بهيئات المحامين.
وتنص المادة 75، بعد تعديلها من قبل مجلس المستشارين، على إحداث حساب ودائع وأداءات على مستوى كل هيئة من هيئات المحامين، يتولى مجلس الهيئة تدبيره، وتودع فيه وجوبا الأموال التي يتسلمها المحامون لفائدة موكليهم أو الغير، كما تتم عبره جميع الأداءات المهنية المتعلقة بالقضايا والمعاملات التي يباشرها المحامون، مع إخضاع هذا الحساب لرقابة المجلس الأعلى للحسابات للتأكد من قانونية وسلامة عمليات الإيداع والسحب والتحويل والأداء، فضلا عن مراقبة الأرصدة والفوائد والمصاريف المرتبطة به.
وأثار هذا المقتضى نقاشا واسعا داخل اللجنة، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بالاحتجاجات التي تخوضها جمعية هيئات المحامين بالمغرب، والتي تعتبر أن إخضاع حسابات الودائع لرقابة المحاكم المالية يمس باستقلالية المهنة ويخرج عن الإطار الدستوري المنظم لاختصاصات المجلس الأعلى للحسابات.
وفي هذا السياق، أكدت فطيمة بن عزة، النائبة البرلمانية عن الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، أن موقف فريقها لا يهدف إلى حماية أي ممارسات غير قانونية أو رفض مبدأ الرقابة، مشددة على أن المحامين، مثل باقي المهن، قد تعرف ممارسات تستوجب المساءلة، غير أن الإشكال يكمن في طبيعة الأموال المعنية بالمراقبة، باعتبارها أموالا تعود إلى الموكلين وليست أموالا عمومية.
وأضافت أن الاجتهاد القضائي لمحكمة النقض استقر على أن حسابات ودائع المحامين لا تكتسي صفة المال العام، الأمر الذي يجعل إخضاعها لرقابة المجلس الأعلى للحسابات يطرح، في نظرها، إشكالا دستوريا يتصل باختصاصات هذه المؤسسة كما يحددها الفصل 147 من الدستور.
ومن جهته، عبر سعد بنمبارك، النائب البرلماني عن فريق التجمع الوطني للأحرار، عن تخوفه من الآثار القانونية والمؤسساتية لهذا المقتضى، معتبرا أن الإبقاء عليه من شأنه أن “يفتح على هيئات المحامين باب جهنم”، بالنظر إلى ما قد يثيره من منازعات دستورية وقانونية.
وأوضح بنمبارك أن الخلاف لا يتعلق بمبدأ إخضاع الأموال للمراقبة، وإنما بالجهة المخول لها قانونا ممارسة هذه الرقابة، مذكرا بأن محكمة النقض سبق أن اعتبرت هيئات المحامين هيئات مهنية مستقلة وليست مؤسسات عمومية، كما أن المحامي لا يكتسب صفة الموظف العمومي، وأن الأموال المودعة لفائدة الموكلين لا تدخل ضمن الأموال العمومية التي يختص المجلس الأعلى للحسابات بمراقبتها.
ودعا النائب إلى حذف المادة أو تأجيل الحسم فيها، معتبرا أن ذلك من شأنه تخفيف الاحتقان الذي يطبع علاقة الحكومة بهيئات المحامين منذ عرض المشروع.
بدوره، اعتبر محمد صباري، النائب الأول لرئيس مجلس النواب وعضو فريق الأصالة والمعاصرة، أن تدخل المشرع سابقا لتنظيم حسابات الودائع كان مبررا لوضع حد لبعض الممارسات التي عرفها القطاع، إلا أن الإشكال الحالي، بحسب تعبيره، لا يتعلق بضرورة وجود رقابة، وإنما بطبيعة الجهة التي ستتولى هذه المهمة.
وتساءل صباري عما إذا كانت هناك معطيات رسمية أو تقارير تثبت وقوع اختلاسات أو تجاوزات مالية داخل حسابات هيئات المحامين السبع عشرة، مؤكدا أنه لا ينبغي بناء تشريع جديد على فرضيات غير مدعومة بمعطيات دقيقة، مع تشديده في الوقت نفسه على أن هذه الحسابات لا ينبغي أن تبقى بمنأى عن أي شكل من أشكال المراقبة القانونية.
وفي الاتجاه نفسه، اعتبرت قلوب فطيح، عضو فريق الأصالة والمعاصرة، أن المادة 75 في صيغتها الحالية تتعارض مع مقتضيات الفصل 147 من الدستور، الذي يحدد اختصاصات المجلس الأعلى للحسابات في مراقبة المال العام، مؤكدة أن النقباء لا يتصرفون في أموال الموكلين باعتبارها أموالا خاصة بهم، وأن أي تجاوزات محتملة يمكن للنيابة العامة معالجتها في إطار القوانين الجاري بها العمل.
وأضافت أن هذه المادة كانت سببا رئيسيا في حالة الاحتقان التي يعيشها قطاع المحاماة، وأسهمت في تعليق المحامين ارتداء البذلة المهنية ومقاطعة الجلسات، معتبرة أن حذفها من شأنه أن يفتح الباب أمام استئناف الحوار.
ومن جانبه، أكد سعيد بعزيز، رئيس لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات، أن مجلس المستشارين مارس صلاحياته الدستورية كاملة عندما أدخل هذا التعديل، رافضا الانتقاص من دور الغرفة الثانية في المسار التشريعي، لكنه في المقابل أثار بدوره تساؤلات حول مدى دستورية إسناد هذا الاختصاص للمجلس الأعلى للحسابات، متوجها بالسؤال إلى وزير العدل حول ما إذا كانت الحكومة قد استشارت المؤسسة الدستورية المعنية قبل اقتراح هذا المقتضى.
في المقابل، تمسك وزير العدل عبد اللطيف وهبي بالإبقاء على المادة، معتبرا أن النقاش لا ينبغي أن ينصرف إلى حماية الهيئات المهنية، وإنما إلى حماية أموال المواطنين المودعة لديها، مؤكدا أن الدولة تبقى مسؤولة في نهاية المطاف عن ضمان سلامة هذه الأموال.
وأوضح وهبي أن المراقبة المقترحة لا تستهدف الحسابات البنكية للمحامين أو ذممهم المالية، وإنما تهم حصرا حسابات ودائع وأداءات الهيئات، نافيا أن يكون في الأمر مساس باستقلالية المهنة.
واستغرب الوزير رفض بعض النواب إخضاع هذه الحسابات للمراقبة، متسائلا عن الجهة التي ستتحمل المسؤولية إذا تعرضت أموال الموكلين للضياع أو سوء التدبير، مؤكدا أنه لن يقبل بتحمل مسؤولية سياسية أو قانونية عن أموال لا تخضع لرقابة مؤسسة دستورية.
وكشف وهبي، خلال المناقشة، عن حالات قال إنها سجلت داخل بعض الهيئات، مشيرا إلى استعمال مبالغ مالية من حسابات الودائع في أغراض أخرى، من بينها حالة بهيئة أكادير تحدث فيها عن سحب مبلغ يقارب مليار سنتيم لإنجاز مشروع لفائدة المحامين، قبل إرجاع جزء منه لاحقا، كما أشار إلى حالة أخرى قال إن مجلس إحدى الهيئات صرف مبالغ مالية كبيرة من صندوق الودائع، معتبرا أن مثل هذه الوقائع تبرر تشديد آليات الرقابة.
ورغم سيل الانتقادات والتحفظات التي أبداها نواب الأغلبية خلال المناقشة، فإن التصويت النهائي انتهى بالإبقاء على المادة كما وردت من مجلس المستشارين، ما يعني استمرار أحد أبرز أسباب الخلاف بين الحكومة وجمعية هيئات المحامين بالمغرب، التي تواصل برنامجها الاحتجاجي للمطالبة بسحب هذا المقتضى، معتبرة أنه يمس باستقلالية المهنة ويتجاوز الاختصاصات الدستورية للمجلس الأعلى للحسابات.




