مدى دستورية القانون التنظيمي المتعلق بالدفع بعدم دستورية القوانين

الوكالة

2026-06-17

محمد البشيري

يُعد الدفع بعدم دستورية القوانين إحدى أهم الآليات التي جاء بها دستور سنة 2011 لترسيخ دولة الحق والقانون وتعزيز حماية الحقوق والحريات، إذ منح المتقاضين لأول مرة إمكانية إثارة عدم دستورية نص قانوني يراد تطبيقه عليهم أثناء نظر القضاء في نزاعاتهم. غير أن المسافة الفاصلة بين النص الدستوري والممارسة التشريعية تظل، في نظر عدد من الفقهاء والمهتمين بالشأن الدستوري، مثار نقاش عميق وأسئلة جوهرية حول مدى احترام المشرع للإرادة الأصلية للمؤسس الدستوري.

من الحق الدستوري إلى التعقيد الإجرائي

فالفصل 133 من الدستور جاء واضحاً في فلسفته العامة عندما أسند للمحكمة الدستورية مهمة البت في الدفع بعدم الدستورية، باعتبارها الجهة الوحيدة المخول لها دستورياً مراقبة مطابقة القوانين للدستور، سواء من حيث الشكل أو من حيث الموضوع. غير أن القانون التنظيمي المتعلق بتحديد شروط وإجراءات الدفع بعدم الدستورية أدخل محكمة النقض كمرحلة إلزامية لفحص الدفوع المحالة عليها قبل إحالتها إلى المحكمة الدستورية، وهو ما يثير نقاشاً دستورياً واسعاً حول مدى انسجام هذا المقتضى مع روح الفصل 133 ومقتضياته الصريحة.

وحسب مصدر قانوني متخصص، فإن الدفع بعدم دستورية القوانين يدخل في صميم اختصاص القضاء الدستوري باعتباره الجهة الوحيدة المخول لها دستورياً مراقبة مطابقة القوانين لأحكام الدستور شكلاً وموضوعاً. ويرى المصدر ذاته أن إخضاع هذا الدفع لرقابة محكمة النقض قبل إحالته على المحكمة الدستورية يثير نقاشاً دستورياً مشروعاً حول مدى انسجام هذا الإجراء مع مقتضيات الفصل 133 من الدستور، الذي لم ينص صراحة على أي جهة وسيطة بين المتقاضي والمحكمة الدستورية.

وأضاف المصدر أن القانون التنظيمي، بدل أن يقتصر على تنظيم ممارسة الحق الدستوري، أدخل مرحلة إجرائية جديدة أسندت إلى هيئة قضائية لم يرد ذكرها في الفصل 133، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات قانونية عميقة حول حدود التنظيم التشريعي للحقوق الدستورية ومدى جواز تقييدها أو تضييق نطاقها.

وتزداد حدة هذا الجدل عند استحضار الفصلين 131 و132 من الدستور، اللذين حددا بدقة مجال تدخل القانون التنظيمي واختصاصات المحكمة الدستورية. فبينما حصر الفصل 131 دور القانون التنظيمي في تنظيم المحكمة الدستورية وسيرها والإجراءات المتبعة أمامها، أكد الفصل 132 أن المحكمة الدستورية تمارس الاختصاصات المسندة إليها بمقتضى فصول الدستور وأحكام القوانين التنظيمية. ومن ثم يبرز تساؤل دستوري عميق حول مدى مشروعية إقحام محكمة النقض كمرحلة إلزامية سابقة على إحالة الدفع بعدم الدستورية إلى المحكمة الدستورية، في حين أن الوثيقة الدستورية لم تنص على أي وسيط بين المتقاضي والقاضي الدستوري. وهو نقاش يتجاوز الجانب الإجرائي ليطال جوهر التوازن الدستوري بين سلطة التنظيم التشريعي وحدود الاختصاصات التي رسمها الدستور نفسه.

ويرى عدد من المختصين أن الرقابة على شروط قبول الدفع تمثل في جوهرها جزءاً من الرقابة الدستورية نفسها، وبالتالي فإن إسنادها إلى جهة قضائية أخرى غير المحكمة الدستورية يطرح إشكالاً حقيقياً يتعلق بحدود الاختصاصات التي رسمها الدستور لكل مؤسسة. فالمشرع التنظيمي، بحسب هذا الطرح، لم يكتف بتنظيم ممارسة الحق الدستوري، بل أضاف مرحلة جديدة لم ينص عليها الدستور أصلاً، الأمر الذي اعتبره البعض تضييقاً لنطاق الوثيقة الدستورية وتقييداً لحق أراده المؤسس الدستوري أكثر انفتاحاً وفعالية.

ويزداد الجدل حدة عندما يتعلق الأمر بالتعليل الذي اعتمدته المحكمة الدستورية أثناء مراقبتها للقانون التنظيمي، حيث اعتبر عدد من المتابعين أن قبولها لفكرة إخضاع الدفع لرقابة محكمة النقض يشكل تأويلاً موسعاً للنص التنظيمي على حساب النص الدستوري، بما قد يفتح الباب أمام قراءة تجعل من القانون التنظيمي أداة لإعادة رسم الحدود التي حددها الدستور نفسه.

ومن المفارقات التي يثيرها هذا النقاش أن محكمة النقض ذاتها قد تكون معنية بالدفع بعدم الدستورية في بعض القضايا المعروضة عليها، وهو ما يطرح تساؤلات قانونية دقيقة حول مدى ملاءمة منحها سلطة فحص شروط قبول الدفع قبل إحالته على الجهة الدستورية المختصة.

كما تكشف الممارسة العملية، بحسب المصدر ذاته، عن نوع من التردد في تفعيل آليات الرقابة الدستورية من قبل الجهات التي منحها الدستور صلاحية الطعن في دستورية القوانين، الأمر الذي يجعل من آلية الدفع بعدم الدستورية اختباراً حقيقياً لمدى التزام المؤسسات بروح الوثيقة الدستورية ومقتضياتها.

ويزداد هذا المعطى أهمية عند العودة إلى الفصل 132 من الدستور، الذي منح حق الإحالة على المحكمة الدستورية لعدد من المؤسسات والجهات الدستورية قبل إصدار الأمر بتنفيذ القوانين، من بينها الملك ورئيس الحكومة ورئيسا مجلسي النواب و المستشارين او خمس أعضاء مجلس النواب او اربعين عضوا من اعضاء مجلس المستشارين. غير أن الممارسة العملية أظهرت محدودية اللجوء إلى هذه الآلية رغم ما أثير بشأن عدد من النصوص القانونية من نقاشات وخلافات دستورية، الأمر الذي جعل آلية الدفع بعدم الدستورية تُقدم باعتبارها فرصة جديدة لتوسيع الرقابة على القوانين وتمكين المواطنين من المساهمة بشكل غير مباشر في حماية سمو الدستور.

غير أن قرار تأجيل دخول القانون التنظيمي المتعلق بالدفع بعدم الدستورية حيز التنفيذ لمدة سنتين كاملتين بعد نشره بالجريدة الرسمية، أثار بدوره تساؤلات عديدة حول مدى توفر إرادة سياسية ومؤسساتية حقيقية لإنجاح هذه التجربة الدستورية التي انتظرها المغاربة لأكثر من عقد من الزمن. فكل تأخير في تفعيل الحقوق الدستورية ينعكس مباشرة على مستوى الثقة في المؤسسات وعلى فعالية الضمانات التي جاء بها الدستور.

ويرى المصدر ذاته أن تأجيل دخول هذا القانون التنظيمي حيز التنفيذ لمدة سنتين بعد نشره بالجريدة الرسمية يطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى جاهزية الفاعلين المؤسساتيين لإنجاح هذا الورش الدستوري، الذي ظل مطلباً حقوقياً وقانونياً ملحاً منذ اعتماد دستور 2011، معتبراً أن التجربة الجديدة ستكشف مدى فعالية مختلف المؤسسات الدستورية في حماية سمو الدستور وضمان احترام أحكامه.

واليوم، وبعد دخول هذه الآلية إلى حيز التطبيق، يبدو أن التجربة مرشحة لأن تتحول إلى اختبار حقيقي ليس فقط للقضاء الدستوري، بل أيضاً لمختلف المؤسسات والهيئات التي أناط بها الدستور مهمة السهر على احترام المشروعية الدستورية. فنجاح الدفع بعدم الدستورية لن يقاس بعدد الملفات المعروضة فقط، بل بقدرته على إعادة الاعتبار لمبدأ سمو الدستور وجعله مرجعاً فعلياً فوق كل النصوص القانونية.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل نجح القانون التنظيمي في تنزيل مقتضيات الفصل 133 من الدستور، أم أنه أعاد، تحت غطاء التنظيم الإجرائي، رسم حدود الرقابة الدستورية على نحو قد يحول دون بلوغ الغاية التي أرادها المشرع الدستوري عندما جعل من المواطن شريكاً مباشراً في حماية سمو الدستور؟ فالإجابة عن هذا السؤال لن تصنعها النصوص وحدها، بل ستكشفها الممارسة القضائية ومواقف المؤسسات الدستورية خلال السنوات المقبلة.

تصنيفات