محكمة النقض تحسم في جدل كاميرات المراقبة وتؤكد أن حماية الممتلكات لا تبرر انتهاك خصوصية الجيران

الوكالة

2026-06-11

في قرار قضائي لافت من المنتظر أن يثير نقاشاً واسعاً حول حدود استعمال كاميرات المراقبة داخل الأحياء السكنية، كرست محكمة النقض بالرباط مبدأ قانونياً يقوم على ضرورة تحقيق التوازن بين حق الأفراد في حماية ممتلكاتهم وضمان أمنها، وبين الحق الدستوري في احترام الحياة الخاصة وصون المعطيات الشخصية للمواطنين.

ويأتي هذا التوجه القضائي في ظل الانتشار المتزايد لأنظمة المراقبة المثبتة بمداخل المنازل والعمارات والإقامات السكنية، حيث بات اللجوء إلى الكاميرات يشكل وسيلة شائعة للتصدي للسرقات وأعمال التخريب والاعتداءات، غير أن المحكمة أكدت، من خلال هذا القرار، أن ممارسة هذا الحق لا يمكن أن تتم خارج الضوابط القانونية أو على حساب الحقوق الأساسية للغير.

ويستفاد من مضامين القرار أن الغاية المشروعة من تركيب كاميرات المراقبة تقتصر على حماية الملك الخاص وتأمينه، ولا تمتد إلى تصوير مداخل منازل الجيران أو نوافذهم أو شرفاتهم أو أي فضاءات تدخل ضمن نطاق حياتهم الشخصية، كما لا تجيز تتبع تحركاتهم اليومية أو مراقبتهم بشكل دائم، لما قد يشكله ذلك من مساس غير مشروع بالخصوصية المكفولة بموجب الدستور والتشريعات الوطنية ذات الصلة بحماية الحياة الخاصة والمعطيات ذات الطابع الشخصي.

ويعتبر متابعون للشأن القانوني أن هذا القرار يجسد توجهاً قضائياً متقدماً ينسجم مع التطورات التي تعرفها التشريعات الحديثة في مجال حماية الحقوق الرقمية والخصوصية، كما يبعث برسالة واضحة مفادها أن امتلاك وسائل المراقبة لا يمنح صاحبها سلطة مطلقة على الفضاء المحيط به، وأن استعمال هذه الوسائل يبقى مقيداً بمبادئ الضرورة والتناسب واحترام حقوق الآخرين.

ومن المرتقب أن يشكل هذا الاجتهاد القضائي مرجعاً مهماً في القضايا المرتبطة بالنزاعات بين الجيران حول توجيه كاميرات المراقبة، وأن يعزز إمكانية لجوء المتضررين إلى القضاء كلما ثبت أن هذه الأجهزة تتجاوز وظيفتها الأمنية لتتحول إلى وسيلة للتجسس أو انتهاك حرمة المساكن أو المساس بالحياة الخاصة للأفراد.

وفي المقابل، لا يفهم من هذا القرار أنه يمنع المواطنين من تركيب كاميرات المراقبة أو ينتقص من حقهم في اتخاذ التدابير اللازمة لحماية ممتلكاتهم وأسرهم، وإنما يرسم حدوداً قانونية واضحة لاستعمالها، بما يحقق التوازن بين متطلبات الأمن واحترام الحقوق والحريات الأساسية، ويضمن عدم توظيف التكنولوجيا في غير الأغراض المشروعة التي أنشئت من أجلها.

ويعكس هذا التوجه القضائي حرص القضاء المغربي على مواكبة التحولات المجتمعية والتكنولوجية، من خلال ترسيخ مبادئ قانونية تجعل من حماية الحياة الخاصة قيمة دستورية لا يجوز المساس بها إلا في الحدود التي يجيزها القانون، بما ينسجم مع دولة الحق والقانون ويعزز الثقة في العدالة باعتبارها الضامن الأساسي للتوازن بين الحقوق والواجبات.

تصنيفات