









ورزازات: صحافي يواجه المأساة التي ظل يحذر منها
الوكالة
2026-06-05

محمد البشيــري
في كثير من الأحيان، يكتفي الصحافي بنقل معاناة الآخرين إلى الرأي العام، حاملاً قضايا الناس وهمومهم إلى صفحات الجرائد ومواقع الأخبار. غير أن القدر يختار أحياناً أن يضعه في قلب القصة نفسها، ليعيش شخصياً المأساة التي ظل يحذر منها لسنوات. وهذا بالضبط ما حدث للصحافي موسى حمنكاري، الذي وجد نفسه فجأة شاهداً وضحية في آن واحد لواقع طالما نبه إلى خطورته.
كان موسى يكتب باستمرار عن الخصاص المهول في خدمات الإسعاف بجماعة إزناكن التابعة لإقليم ورزازات. كان ينقل معاناة الساكنة ويوثق شكاوى المواطنين الذين يعيشون هاجس المرض والحوادث في مناطق معزولة، حيث تتحول دقائق الانتظار إلى معركة حقيقية ضد الموت. غير أن ما لم يكن يتوقعه هو أن يتحول الملف الذي دافع عنه مهنياً إلى جرح شخصي عميق داخل أسرته.
في ليلة السبت الماضية، لم يكن الصحافي منشغلاً بإعداد تقرير أو متابعة حدث محلي، بل كان يقف عاجزاً أمام شقيقه المصاب إثر حادثة سير خطيرة. كانت الأسرة تراقب النزيف وتنتظر وصول سيارة إسعاف قد تمنح الشاب فرصة للنجاة. لكن الزمن كان أسرع من كل شيء، فيما ظلت النجدة بعيدة، والطريق طويلة، والإمكانات محدودة، لتتحول الساعات القليلة إلى فصل مؤلم انتهى برحيل شاب في مقتبل العمر.
المأساة هنا لا تختزلها وفاة الضحية وحدها، فالموت قدر محتوم لا يملك أحد دفعه، لكن ما يثير الأسى هو ذلك الشعور القاتل بالعجز الذي رافق الأسرة منذ اللحظة الأولى. انتظار سيارة إسعاف لا تصل في الوقت المناسب، وقطع مسافات طويلة وسط تضاريس صعبة، ثم مواجهة خصاص في الخدمات الصحية الضرورية للتعامل مع الحالات المستعجلة. إنها سلسلة من الاختلالات التي تجعل فرص النجاة تتآكل دقيقة بعد أخرى.
وتزداد قسوة المشهد عندما يكون الضحية غير المباشر لهذه الأعطاب صحافياً ظل لسنوات يدق ناقوس الخطر ويحذر من العواقب. فالرجل الذي كتب عشرات السطور عن غياب وسائل الإنقاذ وجد نفسه فجأة يعيش التفاصيل نفسها التي كان يرويها للناس. وكأن التحذيرات المتكررة التي أطلقتها الأقلام الحرة ظلت تصطدم بجدار الصمت والتجاهل إلى أن تحولت إلى مأساة حقيقية.
إن قصة موسى حمنكاري ليست حادثاً معزولاً، بل هي صورة مكثفة لواقع تعيشه مناطق عديدة في الجنوب الشرقي للمملكة، حيث ما يزال الوصول إلى الخدمات الصحية والاستعجالية رهيناً بعوامل الجغرافيا والإمكانات المحدودة. وفي مثل هذه المناطق لا يصبح الخطر مرتبطاً بالحادث أو المرض فقط، بل بالوقت الذي تستغرقه النجدة للوصول.
ومن المؤسف أن يتحول حق أساسي من حقوق المواطنين، وهو الحق في العلاج والإنقاذ، إلى مطلب متكرر في الشكايات والبيانات والتقارير الصحفية. فالدولة التي تنخرط في أوراش كبرى لتأهيل المنظومة الصحية مطالبة أيضاً بضمان العدالة المجالية في الولوج إلى خدمات الإسعاف والتكفل الاستعجالي، لأن حياة المواطنين لا ينبغي أن تختلف قيمتها باختلاف موقعهم الجغرافي.
اليوم، لم يعد السؤال المطروح هو كيف توفي هذا الشاب، بل لماذا ما تزال بعض المناطق تواجه المصير نفسه كلما وقع حادث أو داهم مرض مفاجئ أحد سكانها؟ ولماذا يظل الوصول إلى سيارة إسعاف في بعض الجهات أقرب إلى الأمنيات منه إلى الخدمة العمومية المفترض أن تكون متاحة للجميع؟
لقد فقد موسى حمنكاري شقيقه، لكنه أعاد من خلال مأساته تسليط الضوء على قضية أكبر من حدود الألم الشخصي. قضية تتعلق بأرواح الناس، وبحقهم في فرصة عادلة للنجاة عندما يطرق الخطر أبوابهم.
وربما تكمن قسوة الحكاية كلها في أن صحافياً ظل يكتب ويحذر وينبه إلى الخطر، وجد نفسه في النهاية يواجه المأساة ذاتها التي كان يحاول منعها. وبين التحذير والفاجعة، يظل سؤال واحد معلقاً في انتظار جواب عملي لا خطابات عابرة: كم روحاً أخرى يجب أن نفقد حتى يصبح الإسعاف أولوية حقيقية لا مجرد بند مؤجل في دفاتر الوعود؟




