









“ساركو”.. عندما يصبح الذكاء الاصطناعي شريكا في اتخاذ قرار الموت
الوكالة
2026-05-12

باحدة عبد الرزاق
في غابة هادئة بسويسرا، بعيدا عن ضجيج المدن والمستشفيات، جلست امرأة أمريكية تبلغ من العمر 64 سنة داخل كبسولة بيضاء تشبه مركبة فضائية صغيرة، أمام نافذة شفافة تطل على الطبيعة. لم تكن في رحلة سياحية أو داخل تجربة علمية خيالية، بل كانت تستعد للحظة إنهاء حياتها بنفسها.
بغمزة عين واحدة، بدأت القصة التي هزت العالم.

تلك الكبسولة تعرف باسم “ساركو”، واحدة من أكثر الابتكارات إثارة للجدل في العصر الحديث، آلة صممت خصيصا لمساعدة البشر على الموت، وسط انقسام عالمي حاد بين من يعتبرها “حقا إنسانيا” ومن يراها “تطبيعا مخيفا مع فكرة الانتحار”.
القصة بدأت مع الطبيب الأسترالي فيليب نيتشكي، المعروف إعلاميا بلقب “دكتور ديث”، بعدما كرّس جزءا كبيرا من حياته للدفاع عما يسميه “حق الإنسان في اختيار نهايته”. لكن مشروع “ساركو” لم يكن مجرد جهاز طبي تقليدي، بل فكرة صادمة جمعت التكنولوجيا والتصميم المستقبلي والذكاء الاصطناعي داخل ملف شديد الحساسية يتعلق بالحياة والموت.
الكبسولة، التي يحمل اسمها دلالة مرتبطة بكلمة “تابوت”، تعمل بطريقة مختلفة عن وسائل القتل الرحيم التقليدية. فبدل الحقن أو الأدوية، تعتمد على خفض مستوى الأوكسجين داخل الحجرة بشكل تدريجي، ما يؤدي إلى فقدان الوعي ثم الوفاة خلال دقائق قليلة، وفق مطوريها.
لكن ما أثار الصدمة أكثر لم يكن فقط طريقة عملها، بل شكلها أيضا. فـ”ساركو” لا تبدو كجهاز طبي بارد، بل كمنتج فاخر من المستقبل: تصميم أنيق، إضاءة هادئة، ونوافذ بانورامية تسمح للشخص باختيار آخر منظر يريد رؤيته قبل الموت. وهو ما دفع منتقدين إلى اتهام المشروع بتحويل فكرة الانتحار إلى “تجربة جمالية” أو منتج تكنولوجي مغلف بالفخامة.
وفي سنة 2024، انتقل المشروع من مجرد نموذج تجريبي يثير النقاش إلى واقع حقيقي، بعدما تم استخدام الكبسولة لأول مرة داخل سويسرا، الدولة التي تسمح قانونيا بالانتحار بمساعدة خارجية ضمن شروط محددة.
غير أن الحادث فجّر عاصفة سياسية وقانونية وإعلامية غير مسبوقة. فبعد ساعات فقط من أول استخدام للكبسولة، فتحت السلطات السويسرية تحقيقا جنائيا، وتم توقيف أشخاص مرتبطين بالمشروع، وسط اتهامات تتعلق بالمساعدة على الانتحار واحترام القوانين المنظمة لهذا النوع من الممارسات.
وزيرة الصحة السويسرية خرجت بدورها بتصريح حاسم أكدت فيه أن “ساركو” لا تتوافق مع القانون السويسري، رغم محاولات مطوريها تقديمها كوسيلة قانونية وآمنة.
لكن الجدل لم يتوقف عند هذا الحد. ففي الوقت الذي كانت فيه التحقيقات مستمرة، عاد مبتكر الكبسولة ليكشف عن مشاريع أكثر إثارة، من بينها تطوير نسخة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتقييم “الأهلية العقلية” للأشخاص الراغبين في استخدامها، بل وحتى الحديث عن نموذج يسمح لشخصين بإنهاء حياتهما معا داخل الكبسولة نفسها.
هذه التطورات دفعت جمعيات دينية وحقوقية وأطباء نفسيين إلى التحذير مما وصفوه بـ”الانزلاق الخطير”، معتبرين أن التكنولوجيا بدأت تتجاوز الخطوط الأخلاقية الحمراء، خصوصا مع تسويق الموت داخل قالب مستقبلي يبدو أقرب إلى أفلام الخيال العلمي.
وفي المقابل، يرى المدافعون عن المشروع أن “ساركو” تمنح الأشخاص المصابين بأمراض مستعصية أو آلام مزمنة “حق الاختيار”، بعيدا عن المعاناة الطويلة أو الطرق التقليدية العنيفة لإنهاء الحياة.
وبين هذا الرأي وذاك، تحولت الكبسولة إلى رمز عالمي للجدل حول الحدود الفاصلة بين الحرية الفردية والأخلاق والقانون والتكنولوجيا.
واليوم، ورغم الضجة العالمية، لا تزال “ساركو” محاصرة بالتحقيقات والأسئلة القانونية داخل سويسرا، بينما يواصل مبتكروها الدفاع عنها باعتبارها “مستقبل الموت الرحيم”.
لكن السؤال الذي يظل مطروحا بقوة: هل يتعلق الأمر بتقدم علمي يمنح الإنسان حرية أكبر في تقرير مصيره؟ أم أننا أمام بداية عصر جديد تصبح فيه التكنولوجيا شريكا مباشرا في صناعة الموت؟




