









تحول في تدبير الصفقات العمومية: نحو تقليص نفوذ المنتخبين وتعزيز الحكامة المحلية
الوكالة
2026-05-02

عبد الغني جبران
في سياق دينامية إصلاحية متواصلة تستهدف الرفع من نجاعة تدبير الشأن المحلي، تتجه وزارة الداخلية نحو إحداث تحول هيكلي عميق في طريقة تدبير عدد من الصفقات العمومية الكبرى داخل الجماعات الترابية، عبر تقليص الإشراف المباشر للمنتخبين على قطاعات حيوية طالما استأثرت بحصة الأسد من الميزانيات.
ويهم هذا التوجه، على وجه الخصوص، مجالات التدبير المفوض لقطاع النظافة، وإصلاح وتعبيد الطرق، والإنارة العمومية، إلى جانب مشاريع البنية التحتية والخدمات الأساسية ذات الكلفة المرتفعة، وهي قطاعات شكلت لسنوات محور جدل واسع بسبب اختلالات تدبيرية لم تنعكس إيجاباً على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
وبحسب المعطيات المتوفرة، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد نقل جزء مهم من اختصاصات الإشراف والتنفيذ إلى شركات التنمية المحلية أو شركات مساهمة ذات طابع تقني، ستضطلع بمهام تدبير مشاريع استراتيجية وفق مقاربات أكثر احترافية، قائمة على التخطيط المحكم وآليات المراقبة الدقيقة، بما يضمن ترشيد النفقات وتحسين الأداء.
هذا التحول يعكس إرادة واضحة لإعادة ضبط آليات صرف المال العام، والحد من تداخل الاعتبارات السياسية مع التدبير التقني لقطاعات حساسة، حيث من المرتقب أن يتم تقليص هامش التدخل السياسي المباشر في ملفات ترتبط بصفقات مالية ضخمة، لطالما شكلت نقاط نفوذ داخل المجالس المنتخبة.
كما ستُعهد الإدارة اليومية لهذه المشاريع إلى مديرين عامين يتم تعيينهم وفق مقاربة مركزية، مع إخضاعهم لمنظومة تقييم دوري صارمة، تقوم على ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز مبادئ الشفافية والحكامة الجيدة.
غير أن هذا التوجه، رغم ما يحمله من وعود بتحسين جودة الخدمات وضبط النفقات، يفتح في المقابل نقاشاً عميقاً حول مستقبل دور المنتخبين، وحدود تدخلهم في تدبير ملفات كانت إلى وقت قريب تشكل صلب اختصاصاتهم ومجال تأثيرهم المباشر.
ويرى متابعون أن نجاح هذا الورش الإصلاحي سيظل رهيناً بمدى قدرة السلطات على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات النجاعة التدبيرية من جهة، والحفاظ على جوهر الديمقراطية المحلية من جهة أخرى، بما يضمن استمرار الدور الرقابي والتمثيلي للمجالس المنتخبة دون إفراغها من مضمونها.
وبين ضرورات الإصلاح وحماية المال العام، تقف وزارة الداخلية أمام اختبار حقيقي لبناء نموذج تدبيري جديد، قادر على الاستجابة لتطلعات المواطنين في خدمات عمومية ذات جودة، دون المساس بأسس التوازن المؤسساتي الذي يشكل ركيزة أساسية في مسار اللامركزية بالمغرب.




