زاكورة : العطش و الصحة يخرجان نساء كتاوة الى الشارع

الوكالة

2026-04-14

محمد البشيــري

ماء ملوث , صحة خارج الخدمة ، وسلطات غائبة.. الحكرة بكل تجلياتها… هكذا يمكن اختزال ما تعيشه مناطق واسعة من إقليم زاكورة في الجنوب الشرقي للمملكة، تلك الرقعة التي يصفها أهلها بمرارة بـ«المغرب المنسي». فهل يعقل، بل هل يقبل العقل أو الضمير، أن نستيقظ في سنة 2026 على أخبار دواوير وسكان يخرجون للاحتجاج طلباً لقطرة ماء؟ وهل من الطبيعي أن يطالب مواطنون، في بلد يعلن التزامه بالعدالة المجالية، بحقهم البديهي في الاستشفاء والعلاج؟ الأدهى أن يحدث كل ذلك على مرأى ومسمع من برلمانيين ومنتخبين لا يظهرون في المشهد إلا عندما تدق ساعة الانتخابات، حيث تتكاثر الوعود وتعلو الشعارات، قبل أن تعود المنطقة بعد ذلك إلى صمتها القاسي، ويعود السكان إلى عطشهم المزمن وانتظارهم الطويل. إن ما يقع اليوم بكتاوة ليس حادثاً عابراً، بل عنوان صارخ لفشل التدبير المحلي، وصورة فاضحة لغياب رؤية حقيقية لمعالجة مشاكل الماء والصحة في هذه المناطق القروية الهشة. فحين تضطر الأمهات إلى مغادرة بيوتهن والوقوف في الشارع للاحتجاج من أجل الماء والعلاج، فذلك يعني أن شيئاً عميقاً قد انكسر في علاقة المواطن بالمؤسسات. فأين المنتخبون الذين رفعوا شعارات التنمية؟ وأين البرلمانيون الذين وعدوا بالدفاع عن قضايا الساكنة؟ وأين المسؤولون الذين يفترض أن يسهروا على كرامة المواطن وحقه في العيش الكريم؟ إن العطش الذي تعانيه دواوير كتاوة ليس مجرد أزمة ماء، بل أزمة تدبير وأزمة ضمير أيضاً. فالماء حق أساسي، والصحة حق دستوري، ولا يمكن أن يظل سكان هذه الربوع رهائن لوعود موسمية أو لسياسات ترقيعية لا تعالج أصل الداء. وفي مشهد يعكس عمق المعاناة اليومية التي تكابدها ساكنة العالم القروي، خرجت صباح اليوم مجموعة من نساء دوار البليدة التابع لجماعة كتاوة في وقفة احتجاجية أمام مقر الجماعة، مطالبات بتوفير الماء الصالح للشرب وتحسين جودته، في ظل أزمة عطش خانقة باتت ترخي بظلالها على عدد من دواوير المنطقة.

وقد عبّرت المحتجات، ومعهن عدد من الساكنة، عن غضبهن مما وصفنه بالوضع المائي المهين، حيث أكدن أن أغلب دواوير جماعة كتاوة، التي يبلغ عددها حوالي 33 دواراً، لا تستفيد من الماء إلا ليوم واحد في الشهر، وقد يمتد الأمر أحياناً إلى يومين فقط، في إطار ما يُعرف محلياً بـ«طلقة الماء»، وهو نظام توزيع بات، بحسب تعبيرهن، عاجزاً عن تلبية الحد الأدنى من الحاجيات اليومية للسكان.

ولم يقتصر الاحتجاج على ندرة المياه فقط، بل امتد أيضاً إلى ما اعتبرته الساكنة خطراً مضاعفاً يتمثل في تلوث المياه الموزعة عبر صهاريج تابعة للجماعة، وهو ما أثار مخاوف جدية بشأن سلامة الماء الصالح للشرب، في ظل غياب واضح لمراقبة صحية دورية، الأمر الذي يفاقم المخاطر الصحية ويزيد من هشاشة الوضع المعيشي بالمنطقة.

وفي موازاة أزمة العطش، تعيش الساكنة على وقع فراغ صحي مقلق بعد إغلاق المركز الصحي المحلي منذ أكثر من ثلاثة أشهر، عقب تقاعد الممرض الذي كان يشتغل به دون تعويضه إلى حدود الساعة، ما جعل هذه المؤسسة الحيوية خارج الخدمة بشكل كامل. هذا الوضع دفع العديد من النساء، خاصة الحوامل والأمهات اللواتي يحتجن إلى تلقيح أطفالهن، إلى التنقل لمسافات تتراوح بين ثمانية وعشرة كيلومترات نحو المركز الصحي بجماعة تاكونيت المجاورة. غير أن شهادات متطابقة من الساكنة تفيد بأنهن غالباً ما يواجهن برفض تقديم الخدمات الصحية أو إجراء التلقيحات، بدعوى أن لهن مركزاً صحياً داخل جماعتهم، رغم أنه مغلق منذ مدة طويلة.

وبين عطش ينهك تفاصيل الحياة اليومية، وخدمات صحية غائبة، تجد ساكنة دوار البليدة نفسها أمام واقع اجتماعي صعب يثير أكثر من علامة استفهام حول تدبير المرافق الأساسية في هذه المنطقة القروية، ويعيد إلى الواجهة مطلب العدالة المجالية في الاستفادة من أبسط الحقوق المرتبطة بالعيش الكريم. واليوم تتجه الأنظار نحو تدخل السيد العامل الجديد على إقليم زاكورة، السيد محمد علمي ودان، المعين حديثاً على رأس الإدارة الترابية بالإقليم، من أجل فتح هذا الملف الشائك والتعاطي معه بالصرامة والجدية اللازمتين. فالساكنة التي أنهكها العطش وتفاقمت معاناتها مع غياب الخدمات الصحية الأساسية تنتظر قرارات حازمة تعيد الاعتبار لكرامة المواطن في كتاوة والبليدة وباقي دواوير الإقليم. كما ينتظر الرأي العام المحلي تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، باعتباره أحد الركائز الدستورية في تدبير الشأن العام، وذلك عبر فتح تحقيق جدي في أسباب تفاقم أزمة الماء وتعطل الخدمات الصحية، وترتيب المسؤوليات الإدارية والقانونية. فكل من ثبت تورطه في التقصير أو الإهمال، أو ساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في تعميق معاناة الساكنة عمداً أو تهاوناً، ينبغي أن يخضع للمساءلة والمحاسبة، حتى لا تبقى معاناة المواطنين مجرد ملف عابر يُطوى مع مرور الوقت دون إصلاح حقيقي. فالحق في الماء الصالح للشرب، والحق في العلاج، والحق في السكن اللائق، ليست مطالب ترفية ولا شعارات ظرفية، بل حقوق أساسية يكفلها الدستور لكل مواطن ومواطنة. ومن ثم فإن معالجة هذه الاختلالات لم تعد تحتمل التأجيل، بل تستدعي تدخلاً مؤسساتياً عاجلاً يعيد الثقة للساكنة ويضع حداً لمعاناة امتدت لسنوات.

وفي انتظار توضيحات رسمية من رئاسة المجلس حول أسباب هذا التدهور، يجد الرأي العام المحلي نفسه أمام مشهد مقلق يفرض فتح نقاش مسؤول وصريح حول سبل إنقاذ الساكنة من أزمة العطش، وإعادة الاعتبار للعمل الجماعي بما يضمن كرامة المواطنين ويستجيب لتطلعاتهم المشروعة.

وستواصل “الوكالة” تتبع هذا الملف عن كثب، ورصد مختلف تطوراته ونقلها للرأي العام بكل مهنية وحياد ومسؤولية.

فانتظــرونا…

تصنيفات